سلطة تحكي بلسانين ولا تتلعثم!

سلطة تحكي بلسانين ولا تتلعثم!

29 يونيو 2014
الصورة

جنود إسرائيليون في حالة تأهّب في الخليل (يونيو/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -



الحكي بلسانين أدعى للتلعثم والتعثّر والارتباك والتناقض، وأقرب إلى إيقاع لسانٍ بما قال الآخر. هذه بديهيةٌ لا يدركها أهل السياسة، أو يدركونها ويظنون في أنفسهم القدرة على إثبات بطلانها، وتحديداً في الحالة العربية، حيث السياسة شيء يحيل إلى التلاعب والتلوُّن والتقيّة والنفاق. وفي حالات كثيرةٍ، لا يحيل إلى غير هذه المترادفات.
ويمكن القول، ببساطة، إن الأحداث، في الأيام القليلة الماضية، في الضفة الغربية، أفصحت عن أن السلطة الفلسطينية لا تدرك، وهي تصوغ خطابها الجماهيري، الآن، أن اللسانين ليسا وصفة للكلام، بل وصفة للتلعثم. ومع ذلك، تصرّ على خطابين، يحملان تناقضاً جوهرياً، سعياً إلى تحصيل مكاسب كل خطاب، متوهّمة إمكانية تسويق هذا الخطاب الهجين شعبياً.
تحكي السلطة بلسان الخاضع للاحتلال، مسلوب الإرادة والقوة، اللاجئ إلى الواقعية البراغماتية، في أكثر حالاتها هواناً، لتبرير انكفائها عن مواجهة الاحتلال، وتعايشها معه، ورفضها أي "مغامرة" قد تقود إلى بطشه بها. وفي الوقت عينه، تخاطب الفلسطينيين بخطاب نظام عربي مستبدٍّ، في سياق تبرير السطوة الأمنية، وتثبيت أوهام دولة القانون والأمن والسيادة، والتحذير من مؤامرات الخارج وعملائه.
وعلى الرغم من توهّم السلطة قدرتها على جمع الخطابين، إلا أن المواجهة الأخيرة وصلت بالخطابين إلى أزمة، أو هو التلعثم المحتوم مع اللسانين. فلا يستوي تقديس التنسيق الأمني، لدوره في الحفاظ على السلطة، مع التذكير بشهداء الأجهزة الأمنية في المواجهات مع الاحتلال. لا يستوي قمع التظاهرات الشعبية "المخلّة بالأمن"، ثم الدفاع عن عناصر الأمن، المختبئين في مقراتهم عند اقتحام المدن، أو المستميتين في منع وصول تظاهرة سليمة إلى نقطة تماس مع الاحتلال، لا يمكن إقناع الجماهير أن السيادة في النهار فقط. لا يمكن أن تظلَّ حركة تحرر وطني، وأنت تحوّل كل طاقة حركية في المجتمع إلى مؤسسة وموظفين ينتظرون الراتب المرهون باتفاق أمني وبرضى دولي. لا يمكن أن يعيش مناضل وعنصر أمن في جسد واحد.
يُفقد كل هذا التناقض السلطةَ جمهورها مع الوقت، ولا يتوفّر لخطابها الهجين أي مجال حيوي يحيا فيه وينتشر، والملاحظ أن الحامل الجماهيري لخطاب السلطة كاد يختفي، في الأيام القليلة الماضية، وباتت السلطة تتعثّر بالمفردات التي ابتذلتها هي نفسها خلال مراحل اللعب على الخطابين، كالدولة ومؤسساتها والقانون والأمن والسلاح الشرعي. وبات واضحاً أنه لا يمكن التعامل مع الخطاب الموجّه لشعب في مواجهةٍ، وكأنه خيار من عدة خيارات متوفّرة في جعبة أحدهم، يُخرج منها ما يراه الأنسب للحالة التي هو في صددها. قد يفلح هذا التلاعب في أزمة عابرة، أما أن يكون الخطاب كله قائماً على هذا التناقض الجوهري، فالأمر أقرب إلى وصفة تدميرية، منه إلى خطاب جماهيري.
وفي هذا السياق، تظهر الفاقة المريرة التي تعيشها السلطة في المنظّرين والدعاة الجماهيريين الذين طالما جعلوا خطاب السلطة قابلاً للجدل والأخذ والرد. واللافت أن رداءة الحال والتعويل على مهارات اللعب على الخطابين وصلت بالسلطة إلى اندفاع صحافيين، من درجة ثالثة ورابعة، لشغر فراغ موقع المنظّر السياسي المنبري لصوغ خطاب قابل للتداول شعبياً، وتدفع السلطة، اليوم، ثمن تصدير ناطقين إعلاميين من مخلّفات مرحلة الانقسام بين فتح وحماس، عالقين ذهنياً في تلك المرحلة، ويشعرون أن انقضاءها ما هو إلا حرمانهم من وظيفة أو دور.
قد لا يكون مأزق خطاب السلطة جديداً، فهي لم تكن يوماً خارج المأزق، ولكنه اليوم استنفد حيل بقائه، وأهمها الاتكاء على فتح، للإضافة إلى عمر السلطة في مواجهة مأزقها، ولطالما كانت فتح حيّة بالخطاب الشعبي والجماهيري الذي يسهل تكراره، والبناء عليه، وإشاعته بين الناس، إلا أنها اليوم، وعلى يد السلطة وفعائلها، لم تعد قادرةً أيضاً، على صوغ خطابٍ جماهيريٍّ واضح، ولو بالحد الأدنى، يمكن أن يقتبس منه مناصر للحركة جملةً، لينشرها على "فيسبوك"، وتصمد حتى التعليق المضاد الثالث.