سلام لبيروت

07 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

كأن شياطين الأرض والسماء اجتمعت على هذه الـ"بيروت". لا تخرج من محنةٍ حتى تسقط تحت وابل من المصائب. ومصائب بيروت لا تأتي فرادى، بل حزم مرصوصة. ترميها الحرب الأهلية في بحر من الدماء، تقاتل طوائفُها طوائفَها، تشتبك حاراتها مع حاراتها، وتفصل متاريس النار بين شوارع التنظيمات وزواريب العصابات. تخرج المدينة من ركام حربٍ أهليةٍ طويلة، تشّرع أبوابها والنوافذ لهواء جديد، لكن استراحة المتحاربين لا تطول، تعود المتاريس إلى الشوارع، تصل يد القتل إلى رئيس الجمهورية، لا ينجو من الموت رئيس حكومة، يسقط بالرصاص والديناميت وزراء وإعلاميون ومواطنون، يجري نهر الدم من جديد، وتتراكم الجرائم الفالت مرتكبوها من العقاب. 

تنهش طوابير الفاسدين من الساسة وأمراء الطوائف المزمنة ما تبقى من لحم بيروت العاري. يتصارع هؤلاء على كل شيء، على النفوذ والسلطة والمال والإعلام، وحتى على عطاءات الزبالة. يتقاسم أصحاب السيادة والمعالي والفخامة ما بقي من لبنان، تاركين للمواطن المسكين الهم والغم وملح الغربة. وكأن هذا لا يكفي ليُطفئ ما تبقى من أنوار المدينة، يتكالب الأغراب على لبنان، تحمي دول الإقليم زعامات الأقاليم، تقسم لبنان إلى خنادق تموّلها فنادق، ويُشوى أهله على جمر من الاقتتال البارد على كل شيء، من منصب رئيس الدولة، الذي شغله الفراغ غير مرة، إلى حاكمية مصرف لبنان الخالي من المال أصلاً. 

يهجم العهد الجديد على قوت الفقراء، يحجز أموالهم التي جنوها من تعب الغربة وعذاب الفراق، يحاول هؤلاء إنقاذ ما تبقى من البلد في ثورةٍ سلميةٍ تطالب بسقوط أساطين الفساد وحماته، "كلن يعني كلن". يتحالف فيروس كوفيد 19 المستجد مع فيروسات بشرية مستشرية تنخر خشب الأرز من جوف حتى يسقط حطباً للنار. يستقوي تحالف شياطين الأرض والسماء على تفريق وحدة شعب الثورة الناهضة من الهرمل إلى جيوب الجنوب، وتخمد نار الثورة، ولو إلى حين. 

وأخيراً تنفجر بيروت، يغطّي الغبار جبهتها العالية، ويجري نهر الدم من جديد، يتباكى ساسة الفساد على المدينة الجريحة، ويعلنون المدينة "منكوبة"، وكأنها نُكبت للتو؟ ألا يدري هؤلاء أن بيروت منكوبة بهم منذ عقود، منذ باعها ساستها سماسرة الدم والبارود. بيروت منكوبة بطبقة سياسية حاكمة فاسدة، ظالمة، ومنكوبة بطوابير مليشيات من حرّاس الحرب ومصاصي الدماء. منكوبة بفيالق من السُرّاق المتأنقين بالألقاب وربطات العنق والنياشين.

قبل عام تقريباً، بُثت حلقات مسلسل "هوا أصفر"، إنتاج سوري لبناني مشترك، تحكي قصة شاب يريد بناء إقطاعية من الأطيان والسلاح، يتاجر في المخدرات والسلاح والتهريب، يحرق مساحاتٍ شاسعة من أشجار الأرز حتى يتملك الأرض ويبني عليها عقارات للبيع، يحاول الاستيلاء على شاطئ بيروت، يقتل ويُعذّب من أجل السلطة والمال، ويستمر حتى يُقتل في اقتتال مع خصومه الطامعين بالتفرد بالذهب والسلطة. بالأمس، ومع الغبار الأصفر الذي غطّى بيروت، عادت للذاكرة تفاصيل ذلك العمل الدرامي الذي يحاكي حال لبنان، المضرّج بالدم والغبار المسموم.

وإن كانت في محن لبنان من بارقة أمل، فهي أن لبنان الأمل سيعود، سيحلق طائر الفينيق من وسط الركام، سينهض الشعب لينفض عن وجه بيروت غبار سنواتٍ عجاف تجرَّع فيها الناجون من لظى الحروب كؤوس الذل والعوز للخبز والكهرباء، حتى صار الموت آخر مُناهم، والهجرة أقصى أمنياتهم. سنوات صفراء تعالت فيها طبقات الفساد على جبال لبنان، وتمدّد الخراب حتى فاض. ساد تجار الحرب، وسطا سادة الفساد على مقدّرات البلد، توارثوا الشعب كما إقطاعيات أجدادهم، لم يتركوا للناس إلا حطام وطن. 

سيعود لبنان، ولو بعد حين، إلى أهله، وتعود فيروز لتهدي سلاماً وقبلاً لبيروت، وللبحر والبيوت، ولشعب يغني في ساحات الثورة، وإنْ بصوت مبحوح، ينفض الغبار الأصفر عن وجه بيروت، المُغبر بساسةٍ ملوثين، بلوثاتهم المزمنة. ستعود الساحات إلى الثوار على امتداد لبنان حتى يفنوا "كلن يعني كلن"، ولا يبقى إلا لبنان الكرامة والشعب العنيد.