سقوط حكومة الفخفاخ: أسباب وسيناريوهات ما بعدها

18 يوليو 2020
الصورة
أسباب عدة عجّلت بسقوط الفخفاخ (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

يجمع سياسيون تونسيون على أنّ أسباب عدة عجّلت بسقوط حكومة إلياس الفخفاخ، وأنّ الـ72 ساعة الأخيرة كانت حاسمة، لتتوالى خلالها الأحداث وتدخل البلاد المأزق السياسي الذي تعيشه الآن، مؤكدين وجود أزمة عميقة غير مسبوقة بعد استقالة رئيس الحكومة وإقالة وزراء حركة "النهضة"، فضلاً عن التجاذبات الحادة التي يشهدها البرلمان مع مساعي لسحب الثقة من رئيسه راشد الغنوشي، ما يجعل البلاد مفتوحة على سيناريوهات عدة.

وقال رئيس "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" فرع تونس، مهدي مبروك، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنّ "تطورات الأحداث والسيناريو الذي حصل، وخصوصاً كيفية حصوله لم يكن متوقعاً، ولكن الـ72 الأخيرة كانت حاسمة، وهي وراء تسارع الأحداث، خصوصاً بعد توقيع التيار الديمقراطي، أحد مكونات التحالف الحكومي، على لائحة الحزب الدستوري الحر لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً (اللائحة سقطت)، وبداية التحرك لسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي. ويضاف إلى ذلك شبهة تضارب المصالح لرئيس الحكومة. وبالتالي تسارعت الأمور التي عجلت بموقف النهضة وإعلانها الانطلاق في مشاورات لحكومة بديلة، وهو ما أدى لاستقالة الفخفاخ".


مبروك: ما قاد إلى الأزمة الحالية هو نتائج الانتخابات

ورأى مبروك أنّ "ما قاد إلى الأزمة الحالية هو نتائج الانتخابات والناجمة عن القانون الانتخابي المعتمد، وكذلك النظام السياسي، وهو نظام شبه برلماني وشبه رئاسي"، وأوضح أنّ "النتائج الانتخابية لم تفرز فوز حزب أغلبية أو يتمتع بقاعدة واسعة"، مشيراً إلى أنّ "المشهد كان مختلفاً عن أعوام 2011 و2012 و2014، بحيث يصعد عادة حزبان هما الحزب الأول والثاني، ولكن ما حصل هو تشتت للأحزاب، وحتى الأحزاب الخمسة الأولى الحالية لا يمكنها أن تجمع نسبة أصوات تمكّنها من تمرير المشاريع". وتابع: "تمّ الذهاب إلى ما سمي بحكومة الرئيس، وهذه الحكومة لم تلعب دوراً تجميعياً، وكانت حكومة الخصوم المتحالفين؛ فالتيار الديمقراطي وحركة الشعب على الرغم من انتمائهما لموجة الثورة، لكنهما سرعان ما كشفا عن عدائهما لحركة النهضة والتي انتمت بدورها مكرهة للحكومة، والعداء كان متبادلاً". ولفت مبروك إلى أنّ "الأعداء في البرلمان هم أعداء في الحكومة، وقد كانوا في الأخيرة حلفاء الضرورة فقط، وبالتالي عجز رئيس الوزراء عن أن يكون فريقه الحكومي منسجماً، وهو ما كشفت عنه مناكفات سياسية عدة، كان بعضها حاداً".

وقال مبروك إنّ "وصول الغنوشي إلى رئاسة البرلمان لم يكن من خلال حلفاء الحكومة، وإنما من خلال حزب قلب تونس، وهو ما جعل حركة النهضة وكأنها مدينة لهذا الحزب الذي تم رفع الفيتو في وجهه، وظلّ معاقباً تحت ضغط التيار الديمقراطي وحركة الشعب في الحكومة، ما دفع لعدم إشراكه فيها". وأكد أنّ "الأحداث تسارعت في الأيام الأخيرة، خصوصاً بعد تصويت حليفي النهضة في الحكومة لصالح لائحة الدستوري الحر، ثمّ توقيع سحب الثقة من الغنوشي، وهي علامات جعلت النهضة تستشعر الخطر، ودفعتها إلى لعب ورقة تثبت وجودها واستطاعت في 24 ساعة قلب المعادلة السياسية".

وأفاد المتحدث نفسه بأنه "لا يمكن التكهن حالياً بتطورات الوضع، لأنه سيكون رهن ما سيحصل في البرلمان بعد إيداع لائحة سحب الثقة من الغنوشي لدى مكتب البرلمان". وأكد أنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد "سيلعب دوراً في اختيار الشخصية الجديدة لرئاسة الحكومة"، متسائلاً: "هل ستكون تكنوقراط أم متوافقاً عليها من قبل حركة النهضة أم تتنازل الأخيرة من أجل المصلحة الوطنية؟". وأضاف: "في كل الحالات لن تقبل النهضة مجدداً بشخصية غير راضية عليها أو أن يتم وضعها في موقع ابتزاز، وهو ما يجب أن يعيه رئيس الجمهورية جيداً، وقد يتم الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وهو أمر مستبعد لأنّ أغلب الأطراف لا تفضل هذا السيناريو".


لن تقبل "النهضة" مجدداً بشخصية غير راضية عليها أو أن يتم وضعها في موقع ابتزاز

بدوره، رأى الأمين العام لـ"الاتحاد الشعبي الجمهوري"، لطفي المرايحي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ ما قاد إلى الأزمة الحالية "هو عدم احترام الدستور، فالأخير نصّ على أن يتولى رئيس الجمهورية اختيار الشخصية الأقدر، أي أن تكون الحكومة قادرة على أن تحظى بثقة الأغلبية ما يعني أن يكون لها حزام سياسي"، موضحاً أنّ "الإشكال أنّ الحزام السياسي غير موجود منذ البداية، ومنذ أول امتحان وجد الفخفاخ نفسه في وضع صعب؛ فإما أن يرضخ لابتزاز الأحزاب والائتلاف الحاكم، أو يرحل".

وبيّن المرايحي أنه "بقطع النظر عن ملف تضارب المصالح لرئيس الحكومة، وهو موكول للقضاء للبت فيه، فإنّ الفخفاخ كان سيجد نفسه في الوضعية الحالية نفسها في أي حالة، لأن هذا ما اختاره الشعب، بغض النظر عن قيمة الشخص، فما يحصل هو نتاج غياب الحزام السياسي، ولأنّ الفخفاخ ليس نتاج منظومة سياسية".

وأشار إلى أنّ "الوضع الحالي يضاف إليه الوضع الكارثي للبلاد التي تعاني أساساً من أزمات عدة، ولا سيما تداعيات جائحة كورونا التي عجلت بالنتائج الصعبة التي تعيشها البلاد، ينبئ بأنّ تونس ستمر ليس بأشهر صعبة فقط، بل بسنوات صعبة، وهو ما يهدد عملية البناء وسلامة الوطن".

وقال المرايحي إنه "لا بدّ من تجميد دور الأحزاب في تونس، وأن يتم وضع حدّ لما يحصل"، معتبراً أنّ اختيار رئيس الحكومة "يجب أن يكون وفق التناظر بين شخصيات حاملة لمشاريع حقيقية، على أن يتم التناظر في البرلمان بعيداً عن تدخل اللوبيات والشخصيات النافذة". وأكد أنه "لا يجب ترك المجال لرئيس الجمهورية بصفة مطلقة، لأنه أثبت أنه لا يحسن الاختيار، وهو يتحمّل جزءاً من المسؤولية في الأزمة الحالية، إذ كانت أمامه خيارات عدة، ولكنه اختار الفخفاخ".

من جهته، رأى رئيس "مركز الدراسات الاستراتيجية حول المغرب العربي"، عدنان منصر، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ "أسباب الأزمة عديدة، وتعود بشكل أساس إلى النظام الانتخابي والدستور وعلاقة المؤسسات ببعضها البعض"، معتبراً أنّ "استقالة الفخفاخ عنصر من عناصر الأزمة وليست كل الأزمة". وأشار إلى أنه منذ الانتخابات التشريعية الماضية، كتب تدوينة عن سيناريو الانتخابات المبكرة، نظراً للتوازنات التي تكونت حينها، والتي لم تكن أي منها قادرة على التحالف والاستمرار، وبالتالي فمن الطبيعي أن يحصل ما حصل، وفق قوله.


منصر: استقالة الفخفاخ عنصر من عناصر الأزمة وليست كل الأزمة

وبين منصر أنّ "الأحزاب في البرلمان قادرة على تكوين لوائح، ولكنها غير قادرة على تمريرها، وحتى حركة النهضة عندما قدّمت عريضة لسحب الثقة من الفخفاخ، فهي كانت قادرة على جمع 105 تواقيع، ولكن ليس 109 (الأغلبية المطلقة المطلوبة)، والشيء نفسه في لائحة سحب الثقة من الغنوشي؛ هناك 73 توقيعاً وليس 109، وبالتالي هناك تشتت واضح في المشهد السياسي، ولا يوجد عنصر واحد وراء الأزمة بل عناصر عدة".

وأكد منصر أنّ "التوترات الحاصلة تجعل الأزمة لا تحلّ بالطرق التقليدية"، لافتاً إلى أنّ "إشارات عدة كانت تنبئ بسقوط الحكومة، فمنذ فشل النهضة في تمرير حكومة الحبيب الجملي في يناير الماضي، ومطالبتها بتوسيع حكومة الفخفاخ، فضلاً عن العديد من الأحداث، كان يتضح أنّ سيناريو إسقاط الحكومة قديم، ولكن ربما ليس بالكيفية الحالية التي سقطت فيها، إذ إنه كان من الصعب أن يتم التكهّن بتطور الأحداث بهذه الطريقة، ولكن المسألة كانت مسألة وقت فقط لأن القرار موجود".

وتابع أن رئيس الجمهورية "قد يتصرف بطريقة مشابهة لما حصل سابقاً، ويتولى تكليف الشخصية الأقدر والتي تحظى بالأغلبية، وتكون الحكومة حكومة الضرورة، أو يمكن الذهاب إلى خيار حلّ البرلمان، لأنه في ظلّ التوازنات الحالية لا يمكن تكوين حكومة مستقرة، والفرضية الأخيرة ممكنة بداية من تاريخ 26 أغسطس/آب المقبل (بعد انتهاء مهلة الـ40 يوماً لنيل حكومة جديدة الثقة)".   

تقارير عربية
التحديثات الحية

المساهمون