سقوط أقدم قبة حديدية إسرائيلية

12 مايو 2020
الصورة
قبل أن تقوم المحكمة العليا الإسرائيلية، أخيرا، بالعمل الذي تقوم به مغسلة سيارات أوتوماتيكية حديثة، وتقرّر، بإجماع أعضائها الأحد عشر، غسل المتهم بثلاث قضايا جنائية من كل ما لطخ وجهه وثيابه بالوحل، وذلك بإقدامها على رد الطعون والالتماسات ضد توليه رئاسة الحكومة للمرة الخامسة، نقول كانت هذه المحكمة، التي تُعتبر فخر المنظومة القضائية في الدولة العبرية، تبدو، للرائي إليها عن بعد، قبة حديدية أخرى لحماية الديمقراطية الوحيدة المزعومة في الشرق الأوسط، أقله في ما يخص المجتمع اليهودي.
حين كتب صاحب هذه السطور، في هذه الزاوية، قبل أسبوعين، أن إسرائيل تجدع أنفها بيدها، وتخسر بالنتيجة إحدى أهم ميزاتها النسبية، لم يكن يتوقع أن تقع هذه المحكمة، أو قل هذه المغسلة القضائية، هكذا على وجهها بهذه الصورة المهينة، وأن تهبط بالدولة الاستعمارية الوحيدة في زمن ما بعد عصر الاستعمار، إلى هذا الحضيض من الخزي والتفاهة، عندما تُجيز للمتهم بالغش والسرقة وخيانة الأمانة مواصلة التربّع على سدة الحكم، كأن شيئاً لم يكن، وتسليم الفاسد كامل مفاتيح اللعبة الفاجرة.
حينها لم يستطع المرء، وهو يرى بأم عينه سقوط الأقنعة عن الوجوه المصبوغة بمساحيق ديمقراطيةٍ رخيصة، أن يداري على تشفيه بما آل إليه الحال على خشبة مسرح العبث الإسرائيلي، من تفلّت فظ وخروج سافر على قوانين اللعبة الديمقراطية المتخَيلة، ولا أن يغمط حقه في الإعراب عن سعادته، بما تجلى عليه الوضع المخادع من انكشافٍ غير مسبوق للترّهات والمزاعم والادّعاءات بالقيم الغربية، تلك التي أكل بعضهم منها وشبع، حين كان يراقب انتخابات الكنيست بإعجابٍ لا يخلو من تحسّر على الذات، ويكاد يرفع القبعة لانتظام عمل تلك الآلية، من دون أن يفطن إلى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي استنسخته الدولة العبرية بإتقان، كانت تجري فيه أيضاً انتخاباتٌ مماثلة.
إذ بحسب افتتاحية صحيفة هآرتس، في عددها الصادر قبل نحو أسبوع، حلّلت المحكمة العليا الحرام، ومنحت المتهم حق تعيين القاضي الذي سيحاكمه في ما بعد، وبشيءٍ من التصرّف والتزيّد في الترجمة، نضيف أن فعلة هذه المحكمة جعلت القانون والنظام كله بيد مُنتج واحد، له أن يكتب النص، يضع السيناريو الملائم له، ثم يُخرجه كيفما اتفق، ولا بأس من الزعم أن لدى إسرائيل ديمقراطية على أكمل وجه، طالما أن المنظومة القضائية، بكل حلقاتها، موظفةٌ لتجميل وجه إسرائيل الأسود، وإظهارها دولة متنورةً ذات مُثل ديمقراطية.
ولعل أقبح الحقائق التي لم تلفت أنظار حرس القيم والمبادئ والمُثل الديمقراطية في المجتمعات الغربية المتنورة، إن لم نقل التغاضي عن مساوئها البالغة، حقيقة أن المحكمة العليا هذه هي التي ظلت تسوّغ قرارات الحكم العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تشرعن الاحتلال والاستيطان وجرائم الحرب ومصادرة الأراضي، وكانت إذا حكمت بالعدل داخل المجتمع اليهودي حصراً، تعرف كيف تتوقف عند حدود الخط الأخضر، قائلة "لم أسمع لم أرَ"، وكيف كانت أيضاً تحذر الاقتراب من حظيرة بقرة الأمن المقدسة، وتصادق على تبييض مصادرة الأراضي وانتهاكات حقوق الإنسان بالجملة.
إذا كانت القبة الحديدية لا تزال تعمل بكفاءة ما ضد الصواريخ التي تُطلق أحياناً من قطاع غزة، وتوفر للمستوطنين في غلاف القطاع المحاصر بعض الحماية، فإن القبة القضائية هذه، بعد هذه السقطة المدوية، إن لم يكن قد سقط سقفها على رؤوس المستظلين بظلها الطويل، فقد تزعزعت أعمدة هيكلها القائم على أرضيةٍ تستنبت بذور الأبارتهايد والفاشية، وتقونن الظلم والافتئات على حقوق نحو خمسة ملايين فلسطيني يرزحون تحت حكم دكتاتورية عسكرية غاشمة، وها هي ترضخ، بلا تأتأة، أمام عملية سرقة علنية لأصوات نحو مليون ونصف مليون ناخب، أرادوا استبدال الفاسد بغيره.
في كل الديمقراطيات الراسخة، تتمكّن، بما لديها من دساتير وقوانين نافذة، ومنظومات عمل داخلية، وتقاليد مرعية، من تصويب أي خللٍ قد يحدث لديها، ومن ثمّ إعادة قطار الديمقراطية إلى السكة الصحيحة، ولو بعد حينٍ لا يطول في الغالب. أما في الحالة الإسرائيلية المخاتلة، فإن الانحراف المتواطأ عليه لدى القوم يتعمق مع مرور الزمن، ويغذّي نفسه بنفسه بنهمٍ وشهيةٍ مفرطة.