سعوديون يدرسون في مطابخ

22 يناير 2017
الصورة
ينتظرون أن يرن الجرس في باحة المدرسة (فرانس برس)
على الرغم من استحواذ التعليم على نحو ربع الموازنة العامة في السعودية، خلال السنوات العشر الماضية، إلا أن وزارة التعليم ما زالت غير قادرة على خلق بيئة تعليميّة مناسبة، علماً أن أكثر من 22 في المائة من المدارس قديمة، و41 في المائة منها مستأجرة وغير صالحة للتعليم.

ومع إنفاق أكثر من 470 مليار دولار على التعليم، خلال السنوات العشر الماضية، أي ما يعادل ميزانية دولة كبيرة مثل النرويج، لا يمكن مقارنة البيئة التعليمية في السعودية بمثيلاتها في الدول المجاورة. ولم يتمكّن أربعة وزراء توالوا على حقيبة التعليم، خلال السنوات الخمس الماضية، من إصلاح الخلل. وما زال أكثر من ثلاثة ملايين طالب يذهبون يومياً إلى مدارس لا يتوفر فيها الحد الأدنى من البيئة التعليمية المناسبة، على غرار وضع أربعين طالباً في غرفة لا تتجاوز مساحتها 25 متراً مربعاً.

وبيّن تقرير أصدرته وزارة التعليم، أنّ عدد المدارس النموذجيّة والحديثة والمناسبة للتعليم لا يتجاوز 15 في المائة من المدارس الموجودة. وفي عام 2012، اعترفت وزارة التعليم أنّ 41 في المائة من المدارس في السعودية مستأجرة، ويتجاوز عددها 5972 مدرسة للبنين والبنات، من إجمالي 14 ألفاً و684 مدرسة. في ذلك الوقت، قالت الوزارة إنها ستسعى إلى زيادة نسبة المباني الحكومية إلى 85 في المائة من إجمالي المباني التعليمية خلال فترة وجيزة. لكن بعد مرور نحو خمس سنوات، زاد عدد المباني المستأجرة، ليتجاوز في منتصف عام 2016 عدد 7250 مدرسة. ويعتبر الخبير التربوي، موسى الرميح، أن الحلّ صعب. يقول: "لا توجد أرقام محدّدة تمكّن من تحديد حجم المشكلة. لكن الأكيد أن النموذجي منها محدود جداً".

وفي عام 2010، قال المشرف العام على وكالة المباني، إن عدد المدارس المستأجرة ارتفع في العامين الأخيرين بنسبة 10 في المائة. لكن في عام 2012، قالت الوزارة، إن النسبة انخفضت بنحو 21 في المائة، لافتة إلى أنه لا يجب القبول بوجود مدارس مستأجرة إلّا في حالات معينة. لا يمكن أن ينجح المدرّس في رسالته التعليميّة في حال لم يكن يؤدّيها في بيئة مناسبة. المدرسة ليست مجرّد فصول وطاولات وكراسٍ، بل هي بيئة متكاملة يجب أن تضم قاعات علمية وملاعب ومختبرات. والأهم من ذلك، أن يتوفر لكل طالب المساحة التي يحتاجها".

ويشدّد الرميح، الذي كان مديراً لمدرسة في غرب الدمام، على أنّه "لا يمكن أن نأمل بتعليم جيّد من دون خلق بيئة مدرسية متكاملة، ومعالجة الإخفاقات التي واجهتها الوزارة في استبدال المباني القديمة والمستأجرة بمباني نموذجية حديثة، وإيجاد حلول لتعثّر مشاريع المباني الجديدة". يضيف أن هذه القضية يجب أن تكون إحدى أهم القضايا التي تتابعها وزارة التعليم، موضحاً أنّه "في حال كان الأساس سيئاً، فلا يمكن طلب الكثير. الغريب أن ميزانية التعليم في كوريا الجنوبية تمثل أقل من ثلث ميزانية التعليم لدينا، مع ضعف عدد التلاميذ، ولكن لا يمكن مقارنة التعليم هنا وهناك".



في هذا السياق، يؤكّد فهد الزيد، وهو مدير مدرسة متقاعد، أن تأثير المدارس القديمة والمستأجرة على العملية التعليميّة أكبر من مجرد حشر تلاميذ في فصول صغيرة وغير لائقة. ويقول لـ "العربي الجديد": "تشكّل المدارس غير الصالحة للتعليم عائقاً كبيراً أمام التلاميذ، لأنها لا توفّر الحد الأدنى من البيئة المناسبة للتعليم". يضيف أنّ "غالبيّة المدارس ليست مهيّأة للتعليم لأنّها في الأساس قديمة جداً ومتهالكة، أو منازل، ولم تكن مجهّزة للتعليم. لذلك، نجد أن الصفوف قريبة جداً من بعضها بعضاً، ما يؤثر بشكل سلبي على التحصيل الدراسي للتلاميذ".

ويشدّد على أن "خطط الوزارة تتمثّل في تكثيف النشاطات اللاصفيّة. لكن هذا لا يمكن أن يكون في بيت صغير". يضيف أن "هذه المدارس المؤقتة غير مناسبة للنشاطات اللاصفية ومختبرات العلوم والتربية الفنية والرياضية. بالتالي، لا تحقق الهدف المطلوب". يضيف أنّ هدف التعليم لا يتحقّق، خصوصاً في المدارس المستأجرة ذات الغرف المتلاصقة، ما يجعل أصوات المدرسين تتداخل، ويشتت انتباه التلاميذ. يتابع أن مدارس كثيرة لا تضم مكتبات أو مختبرات علمية "تخيلوا شعور طالب يدرس في مكان كان في الأصل مطبخاً أو صالة طعام".

وتعترف الوزارة بالتقصير، لكنها تؤكد، في الوقت نفسه، أنّه لا يمكنها فعل شيء بسبب عدم وجود أراض كافية لبناء مدارس نموذجية وحديثة. وتشدد على وجود عراقيل أدت إلى تعثر مشاريعها وترك المباني القديمة وغير الصالحة، منها عدم توفر أراض في بعض المناطق السكنية، علماً أن عدد التلاميذ مرتفع، ما يدفعها إلى الاستعانة بالمباني المستأجرة على الرغم من تدني مستوى السلامة فيها.

قبل عامين، حاولت وزارة التعليم إيجاد حل لتلك المشكلة، وطلبت من ملاك المخططات الخاصة، خصوصاً في المدن الرئيسية، شراءها، من دون جدوى.

تجدر الإشارة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في شحّ الأراضي، إذ إن هناك تقصيراً كبيراً من الوزارة في ما يتعلق بمتابعة أكثر من ألف مشروع لمبان جديدة، منذ سنوات، لم تنجز في الوقت المحدد بسبب فشل المقاولين الذين تعاقدت معهم. ويقول المدرّس ماجد اليوسف: "لا يجب أن يقتصر دور الوزارة على توقيع عقد لبناء مدرسة. يجب أن تتابعه بكل دقة، وتحرص على إنجازه في الوقت المحدد".

دلالات