سعد الحريري والتجربة المصرية

04 مارس 2019
الصورة
هل يستطيع الحريري فرض أجندة قاسية على اللبناني؟(Geety)

يوم 25 فبراير/ شباط الماضي، وعلى هامش مشاركته في القمة العربية الأوروبية التي عقدت بمدينة شرم الشيخ، وقف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري أمام وسائل الإعلام قائلا بكل فخر: "إن لبنان يسعى لنقل التجربة المصرية في مجال الإصلاح الاقتصادي والتي جعلتنا فخورين بها".

وأشاد الحريري بما قام به السيسي من إصلاحات اقتصادية شاملة على مدار السنوات الماضية في مصر، والتي نجحت في تغيير وجه مصر، حسب وصفه، قائلا: "نسعى في لبنان لنقل هذه التجربة".

وبغض النظر عن الذين ينظرون لتصريحات الحريري على أنها مجرد غزل في السيسي وكفى، لكننا سنأخذ التصريحات على محمل الجد، ونسأل عن مدى دقة النتيجة التي وصل إليها رئيس الوزراء اللبناني والتي جعلته يصف برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي طبقته الحكومة المصرية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي بأنه غير وجه مصر.

بداية، يبدو أن الحريري لم يطلع على نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري أو أهدافه الرئيسية التي تم الاعلان عنها في نهاية العام 2016 من قبل الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي، ولم يطلع على ما جرى للمواطن المصري خلال الفترة الماضية والتغيرات التي جرت على المجتمع كله.

فالبرنامج المطبق، ورغم قرب انتهاء فترته، لم يحقق الأهداف التي انطلق من أجلها حسب كثير من المتابعين، وهي تحسين مستوى معيشة المواطنين، وخفض الأسعار وتوفيرها في الأسواق، وخفض الدين العام الذي تضاعف في أخر 5 سنوات، وعجز الموازنة العامة للدولة، وزيادة فرص العمل للرجال والنساء، وزيادة الإنفاق على دعم السلع الغذائية، وتحسين أمان المواصلات العامة، إضافة إلى معالجة التحديات المزمنة التي يمثلها النمو المنخفض والبطالة المرتفعة.
ولذا أطلق الكثيرون على البرنامج المطبق اسم "برنامج الإصلاح المالي والنقدي"، وليس "برنامج الإصلاح الاقتصادي"، وخاصة أنه ركز على قضايا من عينة تحرير سعر الصرف الأجنبي، وتعويم الجنيه المصري والقضاء على السوق السوداء للعملة، وفرض ضريبة القيمة المضافة، والتوسع في فرض الضرائب، وخفض الدعم الحكومي المقدم للسلع الرئيسية، مثل الوقود والكهرباء، ثم بيع الأسعار بالأسعار العالمية، تمهيدا للتحرير الكامل في العام 2019 بالنسبة للوقود والعام 2021 بالنسبة للكهرباء.

والمصريون لم يجدوا من برنامج الإصلاح الاقتصادي إلا الوجه القبيح له وهو حدوث قفزات في الأسعار، وتدهور الأحوال المعيشية خاصة للطبقات الفقيرة والمتوسطة، والأخطر خضوع القرار الاقتصادي والمالي المصري لإملاءات خارجية ممثلة في صندوق النقد والبنك الدوليين.

وبعد مرور 28 شهراً على تطبيق برنامج الإصلاح لم يجد المصريون المن والسلوى الذي وُعدوا به في بداية تطبيقه في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، ولم يلحظوا تراجعا في أسعار السلع، خاصة الغذائية منها، رغم القضاء على السوق السوداء للعملة واستقرار سعر الجنيه مقابل الدولار واختفاء السوق السوداء، ولم يستعيدوا جزءاً من مدخراتهم المتآكلة بسبب التضخم وضعف العملة.

حتى عملتهم الوطنية التي انهارت فجأة أمام الدولار في بداية تطبيق البرنامج لم يرد الاعتبار لها، حيث تشير توقعات مؤسسات عالمية وإقليمية إلى مواصلة الجنيه تراجعه مقابل الدولار لأسباب عدة منها زيادة أعباء الدين الخارجي.

بل وجد المصريون أنفسهم أمام توسع غير مسبوق في الدين العام وعجز الموازنة العامة رغم خفض الدعم الحكومي المتواصل لأسعار البنزين والسولار والكهرباء والمياه وغيرها من الخدمات العامة.
هل يعلم سعد الحريري أن نتائج مخيفة لحقت بالمصريين من تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، حيث ألقى البرنامج بملايين المواطنين في أتون الفقر المدقع، وقذف بملايين المستورين والمنتمين للطبقة المتوسطة الحال إلى دائرة الفقر، وتسبب في حدوث انهيار في قيمة العملة وتآكل في المدخرات الوطنية، وزيادة قياسية غير مسبوقة في الاقتراض الخارجي.

إذا كانت الحكومة المصرية قد طبقت برنامج الإصلاح الاقتصادي رغما عن أنف المواطن ودون الرجوع له وتحت تهديد اعتقال أي معارض للبرنامج التقشفي والزج به في غياهب السجون، فهل يستطيع سعد الحريري وحكومته فعل ذلك مع اللبنانيين؟

وهل يستطيع الحريري فرض أجندة بالغة القسوة على المواطن اللبناني، وهل يستطيع تعويم الليرة اللبنانية الثابتة منذ سنوات طويلة مقابل الدولار رغم الأزمات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، ورغم التوسع الكبير في الدين العام وعجز الموازنة، والظروف الصعبة التي يمر بها قطاع السياحة؟ اضافة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي التي تمر بها لبنان من وقت لأخر.

أشك في أن يفعل الحريري ذلك، وبالتالي فإن عليه ألا يقلد عادل إمام في فيلمه الشهير "التجربة الدنماركية".