سطوة الشعر والقراءة الموضوعية

04 مايو 2019
الصورة

(محجوب بن بلة)

+ الخط -
سألني صديق، في حديث افتراضي متبادل، عن شاعري المفضل، فأخبرته أنه ليس لدي هذا الشاعر، ولم أتأثر بشاعر بعينه، فكوني ابنة شاعر جعلني على معرفةٍ بنخبة شعراء الحداثة العرب منذ طفولتي. كبرت بينهم وعرفتهم على طبيعتهم، ضعفهم وقوتهم وهشاشتهم ومشكلاتهم وخيباتهم وعقدهم وخلافاتهم وشهواتهم. جعلتهم معرفتي القريبة بهم عاديين بوهجٍ خفيف، منعت عني رؤية الجانب الآخر، الشعري، بحيادية، فالقرب ليس فقط حجابا على رأي مولانا ابن عربي، القرب أحيانا عدو، يقف مسلحا في مواجهتك، ويمنعك من العبور لتكتشف ماذا يوجد أبعد مما تراه عينك! لذلك ربما لم يستطع أحدٌ منهم أن يكون مثلا شعريا لي، أو أبا شعريا، بمن فيهم أبي ذاته، لم أحتج لقتلهم (على طريقة فرويد)، كانوا يموتون داخلي تباعا. القرب عدوٌّ قاتل أيضا، إذ على المثل الأب أن يكون كاملا معقّما عظيما ضخما لا يحدّه مكان ولا زمان، لم يكن أحد منهم هكذا بالنسبة لي، كانوا يشبهونني أنا التي كنت في أول مراهقتي، وكنت بدأت أفصل ذهنيا بين صورة الشعر والشاعر.
لم تكن لدي المعرفة نفسها بمحمود درويش، والذي تعرفت به شخصيا بعد زمن طويل. كان يأتي إلى دمشق في زيارات شعرية سريعة، وهذا ما جعلني مهووسةً بحضور أمسياته. كان جمهوره السوري يشبه جمهور كرة القدم. أعداد هائلة تتدافع لسماعه. أحكي عن سبعينيات القرن الماضي وأول ثمانينياته، حين كان المد اليساري العربي في أعلى مراحله، وكانت القضية الفلسطينية محور هذا المد عربيا. كان درويش نجم القضية اللامع، التدافع لحضور أمسية له وترديد شعره وحفظه غيبا، أو سماعه عبر كاسيتات مسجلة، كان بمثابة ختم الانتماء إلى اليسار. كنت أرغب بامتلاك هذه الختم، من دون الاهتمام كثيرا بقراءة شعره بموضوعية. لم تكن قراءاتي الشعرية حيادية، في تلك الفترة، بكل حال. كانت مشوبةً بعوامل كثيرة ذاتية وعامة.
لاحقا، بعد تخلصي من آثار الانتماء إلى المجموع، قرأت درويش بشكل أعمق، وبحيادية مطلقة، حيادية الشاعر والشعر. ونبّهتني قراءتي له إلى علاقة الشعر بالشهرة، وتحميله على محامل قضايا جاذبة، وإلى ذكاء درويش الحاد، حين عرف كيف يتجاوز شعر القضية لصالح الشعر فقط، ما جعله استثناءً بين شعراء القضية، ومستمرا ليس عربيا فقط، بل عالميا أيضا.
أما من لم أقابله فكان نزار قباني، الوجه المختلف لمحمود درويش، كان نزار الدمشقي الأصيل يعيش متنقلا بين العواصم العالمية التي حمته من غضب الجلاد العربي عقابا على قصائده السياسية، ولكنه كان محميا أكثر بجمهوره، إذ تفوّق جمهوره على أي شاعر عربي آخر. كان شاعر الأرصفة والمقاهي وغرف النوم ومكاتب العمل والجامعات والمدارس ومكابدات العشق لدى ملايين المراهقين العرب. كانت النساء يتخيلن أنفسهن حبيباته، وأن ما يكتبه من شعر في حب النساء مخصصٌ لكل واحدة منهن. كان نزار حالة أكبر من الشعر. ولا يمكن وصف جمهوره بجمهور شعري، مثلما لم يكن جمهور درويش شعريا أيضاً. هذه الجماهيرية جعلت نزار قباني يطلق على نفسه اسم "رئيس جمهورية الشعر". كان كذلك فعلا، أنت لا تناقش الرئيس، أنت تحبّه وتمجده وتصفق له من دون أي نقاش.
هل كان نزار يدرك سلطته على جمهوره، حتى أطلق على نفسه هذا اللقب؟ أظن نعم. من عرفه عن قرب كان يقول إنه، على الرغم من دماثته الديبلوماسية الدمشقية، كان يتمحور حول ذاته، وهي صفةٌ، بكل حال، تظهر في شعره بشكل جلي، هذه الجماهيرية الهائلة أبعدت عن شعر نزار القراءة الموضوعية والتفكيكية لشعره، إذ يترك قارئه في حيرة. أنت أمام شاعر يعيش في عالم مُترَف، شعريا وشخصيا. ومع ذلك، لم يحظ شاعرعربي آخر بجماهيريته، ولا حتى درويش ذاته. هل هي كاريزما لغته السهلة الممتنعة، كما يوصف شعره دائما؟ أم هي قدرته على اختراق التابوات الثلاثة في وقتٍ كان هذا الاختراق استثناءً هائلا؟ بالتأكيد، ثمّة سر لتلك الجماهيرية. وهي، بكل حال، لا علاقة لها بما حاول بعضهم إحالته إلى كره شعراء الحداثة له، ومحاولتهم تشويهه، فتعلق جمهوره به أكثر، إذ كان جمهور نزار غير معنيّ لا بالحداثة الشعرية، ولا بشعر آخر خارج نطاق نزار. كما أن نزار لم يكن يوما الشاعر المعارض لكل الأنظمة العربية. تاريخه أيضا يشهد بذلك، لكن بالتأكيد شكل نزار نقلة مهمة بالشعر العربي الحديث. ويبقى السؤال: لماذا لم ينتشر نزار عالميا كما انتشر درويش أو أدونيس مثلا؟