سر تماسك الليرة التركية

19 اغسطس 2019
الصورة
علاقات متوترة بين أنقرة وواشنطون (Getty)



كان من المتوقع أن تشهد الليرة التركية تراجعاً حاداً مقابل العملات الرئيسية وفي مقدمتها الدولار، خلال الفترة الماضية، وبنت التوقعات تخميناتها على خمسة أسباب رئيسية.

الأول

الأول هو قيام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعزل محافظ البنك المركزي، مراد شتينكايا، لرفضه الضغوط المتواصلة من أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم والخاصة بمطالبته خفض سعر الفائدة لانعاش الاستثمار.

علماً أن قرار أردوغان الإطاحة بالمحافظ أثارت مخاوف واسعة في الأسواق، بسبب الشكوك حول استقلالية البنك المركزي والقرار الاقتصادي في البلاد.

وتلى ذلك إقدام المحافظ الجديد للبنك المركزي مراد أويصال على خطوة جريئة وهي خفض سعر الفائدة من 24% إلى 19.75% مرة واحدة، وذلك في أول اجتماع برئاسته، وهذه نسبة قريبة من معدل التضخم السائد في البلاد والبالغ 16.6% حسب أحدث أرقام.

الثاني

السبب الثاني لتوقعات تراجع الليرة التركية بشكل حاد هو وجود توقعات بزيادة منسوب التوتر في العلاقات السياسية والاقتصادية بين واشنطن وأنقرة، على خلفية قضايا عدة منها، إصرار الجانب التركي على المضي قدما في صفقة شراء منظومة أس 400 الدفاعية الروسية والتي تعارضها واشنطن، وهو ما تم بالفعل، وما واكب ذلك من حديث حول منع أنقرة من حيازة طائرات إف 35 الأميركية، وتخوفات بفرض ترامب عقوبات اقتصادية على مسؤولين أتراك قد تزيد في حدتها عن عقوبات شهر أغسطس 2018 والتي على إثرها انهارت الليرة مقابل الدولار.

الثالث

أما السبب الثالث، فيكمن في تضرر الاقتصاد التركي الشديد من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، خاصة أن تركيا كانت تستورد الجزء الأكبر من طاقتها، سواء النفط أو الغاز، من إيران وبأسعار تفضيلية، وقد هددت واشنطن بفرض عقوبات على أي دولة تستورد النفط الإيراني، وبسبب الضغوط أعلنت أنقرة التزامها بالعقوبات الأميركية وتوقفها عن استيراد النقط الإيراني.

الرابع

ويكمن السبب الرابع في توقعات تراجع الليرة في إعلان تركيا قيام جيشها بعملية عسكرية شرق نهر الفرات في سورية، وهي المنطقة التي يسيطر عليها المقاتلون الأكراد، وما أعقبها من إعلان واشنطن أنها ستمنع أي توغل أحادي تركي في سورية من شأنه أن يؤثر على المصالح المشتركة للولايات المتحدة وقوات سورية الديمقراطية، وهذا الأمر يزيد التوتر في المنطقة خاصة المتعلقة بالمخاطر الجيوسياسية.

الخامس

أما السبب الخامس، فيكمن في فوز أحزاب المعارضة بعدة مدن رئيسية مثل أنقرة وإسطنبول في الانتخابات البلدية الأخيرة، وما أشاعه البعض حول أن النتائج قد تدفع هذه الأحزاب إلى المطالبة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، وهو ما يعني دخول البلاد في حالة ضبابية سياسية جديدة تنكس سلبا على الاقتصاد.


لكن ورغم الأسباب الخمسة وغيرها، فقد تماسكت العملة التركية مقابل الدولار، بل وتحسنت في بعض الأوقات كما حدث في بداية الشهر الجاري حيث ارتفعت لأعلى مستوى لها منذ أربعة أشهر، لأسباب تتعلق باستعادة الاقتصاد التركي عافيته بشكل سريع وغير متوقع، وتحسّن مؤشرات الاقتصاد الكلية، خاصة على مستوى إيرادات الصادرات والسياحة والاستثمارات الأجنبية، وتراجع الواردات وانخفاض معدل البطالة والتضخم وعجز الميزان التجاري.

وحسب الأرقام، فقد بلغت القيمة الإجمالية للصادرات خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي 104.2 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل القيمة إلى نحو 180 مليار دولار نهاية عام 2019.

كما ارتفعت إيرادات السياحة التركية 13.2 بالمائة في الربع الثاني من العام الحالي، لتصل إلى 7.97 مليارات دولار. كما جذبت البلاد أكثر من 10 مليارات دولار استثمارات أجنبية، منذ مايو/ أيار الماضي.

كما تشهد سوق العقارات التركية إقبالاً متزايداً بوتيرة قوية، لا سيما من خارج البلاد، حيث ارتفعت نسبة مبيعات العقارات للأجانب 69%، خلال النصف الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وبلغت 19 ألفاً و952 عقاراً.


وساهم في استقرار الليرة التركية أيضاً رد الفعل الأميركي الهادئ على صفقة أس 400 الروسية حيث لم يكن بالحدة التي توقّعها كثيرون قبل تسلم أنقرة الصفقة الشهر الماضي، إضافة إلى أن تركيا استفادت من تراجع أسعار النفط طوال الشهور الماضية.

ولعبت حالة الاستقرار السياسي والأمنى داخل تركيا دوراً مهماً في استقرار سعر صرف الليرة، حيث لم تخرج دعوات مثلاً عن أحزاب معارضة بالدعوة لانتخابات مبكرة، وهو ما أعطى انطباعاً للمستثمرين الأجانب والمحليين بأن تركيا مقبلة على ما يزيد على 4 سنوات من الاستقرار السياسي الداخلي، 4 سنوات تخلو من الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية أو حتى المحلية.