سرمين السورية... مدنية منسيّة قتلت مرتين

18 مارس 2017
الصورة
نشر النظام وحلفاؤه الدمار في أركان المدينة(فيسبوك)


لم يبق العصر الحديث لأهل سرمين ما يفخرون به لقدم بلدهم، سوى بعض المراجع والآثار، التي لم يستطع الإهمال المتعمد، لمحافظة إدلب برمتها ومنها سرمين،محوها، وتسميتها خلال حقبة الأسدين، الأب والابن بـ"المدن المنسية"، ما يدفعهم ومنذ الإتيان على ذكر سرمين، أنها تعود بتسميتها إلى بن ليفر بن سام بن نوح عليه السلام، وأن سرمين وردت في العديد من كتب التاريخ حيث قال عنها الرحالة إبن بطوطة: "إن سرمين ذات بساتين كثيرة وأكثر أشجارها التين والزيتون، وبها يصنع الصابون الآجري ويصدر منها إلى مصر والشام (دمشق)، ويصنع فيها الصابون المطيب الذي تغسل به الأيدي، ومن العجب أن أهلها يكرهون لفظة العشرة حتى أن مسجدها بني له تسع قباب".

وهو ما أكده، ياقوت الحموي بكتاب معجم البلدان، حول سكانها الرافضين للعشرة وأضاف حول تخصص أسواقها على حسب المهن، في دلالة على أن قاطني سرمين بالماضي، هم من الشيعة "الرافضة للعشرة المبشرين بالجنة" قبل أن يسكنها الإسماعيليون الفاطميون ومن ثم الدروز الموحدون، قبل أن يستقروا بجبل السماق.

ولا يفوت أهل سرمين تذكيرك بأن في مدينتهم القديمة، صهاريج وكهوفا محفورة في الصخر، وقناة تاريخية لنقل الماء لهذه الصهاريج "الخزانات الرومانية" من جبل أريحا وفق مبدأ الأواني المستطرقة، فعندما يمتلئ الأول ينتقل الماء إلى الثاني فالثالث حتى تمتلئ جميعها ومن معالمها التي ما زالت تدل على عظمة هذه البلدة "الجامع الكبير" الذي بني على أنقاض كنيسة كانت معبداً وثنيا قبل انتشار المسيحية في المنطقة وجدد بناؤه في العهد الفاطمي، ولم يزل من معالمها القائمة حتى اليوم.

وإن كان لدى مستمعهم مزيد وقت، قصوا عليه حكاية ضريحي خولة بنت الأزور وأخيها ضرار الموجودين حتى هدمهما تنظيم "داعش " عام 2014 وأعادوك لسوقها وحماماتها وكيف دخلها الإسلام على يد الفاتح أبو عبيدة بن الجراح عام 17 للهجرة 637 للميلاد أثناء الفتح الإسلامي لبلاد الشام.


ضريح خولة بنت الأزور بسرمين الذي هدمه "داعش" (فيسبوك) 


ما يدفعك كمتلق للسؤال عن سبب سرد هذا التاريخ الشفوي المدعم ببعض دلالات وآثار، منها حجران منقوش عليهما بعض تاريخ البلد، موجودان على جدار جامعها الكبير حتى اليوم، بعد أن أخذ الشكل والطراز الأموي بترميمه الأخير.

لتعرف، وربما دون عناء الاستنتاج، أن الإقصاء والإهمال الذي عانته سرمين ومن فيها، خلال العصر الحديث وحكم حافظ الأسد على وجه التحديد، هو الدافع الأساس لأهليها، ليذكروك بماضيهم الذي أعادت بعضه الثورة منذ عام 2011، وقت شغلت مظاهرات سرمين وتحريرها من جنود الأسد، وسائل الإعلام وكانت، إلى جانب بنش وسراقب، الثالوث الثوري بشمال سورية.. فما حكاية سرمين.

أطلق منذ القدم على هذه البلدة التي تعج بالآثار الرومانية، كسوقها المبلط والمسقوف وبقايا السور وحماماتها، لقب "أم المدن " وتبعد ستة كيلومترات عن مركز مدينة إدلب لجهة الشرق، شمال غربي سورية، وجاء في كتاب، بغية الطلب في تاريخ حلب للمؤلف، إبن العديم، في باب سرمين، أنها مدينة بطرف جبل السماق كبيرة العمل واسعة الرستاق، ولها مسجد جامع وأسواق.


قبب الجامع الكبيرالمبني على الطراز الأموي (فيسبوك) 


وكان لها سور من الحجر خرب في زماننا هذا ودثر، وبها مساجد كثيرة داثرة كانت معمورة بالحجر النحيت عمارة فاخرة، قيل إن بها ثلاثمائة وستين مسجداً لم يتبق منها إلا المسجد الجامع، وأكثرها الآن إسماعيلية ولهم بها دار دعوة. وكان يسكن بها الحسن بن عجل المعروف بالصوفي الذي ينتسب إليه بنو الصوفي رؤساء دمشق، وكان جد أبي الحسن علي بن مقلد بن منقذ صاحب شيزر لأمه، ولما قوي أمر الإسماعيلية بسرمين تحول إلى حلب فسكنها، وداره بحلب هي الدار التي وقفها شيخنا قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف ابن رافع بن تميم مدرسة لأصحاب الشافعي، تجاه المدرسة النورية، وخرج منها فضلاء وشعراء.





وذكرها أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان في تسمية كور جند قنسرين والعواصم فقال: كورة سرمين وأهلها من قيس. وكان بقربها في جبل بني عليم حصن منيع يقال له كفر لاثا، وكان الفرنج قد استولوا عليه وعلى سرمين في سنة ست وسبعين وأربعمائة.

وذكر الباحث السوري، فائز قوصرة في كتابه الرحالة في محافظة إدلب، أن مدينة إدلب الحالية كانت قرية تتبع سرمين فيما مضى، وبدأت أهمية إدلب الحالية بالظهور بعد أن اهتم بها الصدر الأعظم أحمد باشا الكوبرلي (1583-1661)، وعين قائداً للحامية فيها اليوزباش حمود الدليمي، وفوضه في تنفيذ خطته لتطوير إدلب فجعل مواردها وقفاً على الحرمين الشريفين وأعفاها من الرسوم والضرائب وأقام فيها مباني ما زالت قائمة إلى اليوم فقصدها الناس من جسر الشغور وسرمين والقرى المجاورة، فاتسعت وازدهرت على حساب غيرها من القرى المجاورة.

وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر غدت إدلب تتبع جسر الشغور ثم أتبعت بأريحا ثم صارت مركز قضاء عام 1812ميلادية، ثم مركز محافظة في عام 1960ميلادية.
وقال بعض الرحالة، كالفرنسي كورانسيز الذي زار سرمين عام 1809 للميلاد: إن أصل مسجدها الكبير كنيسة، وعرفنا أنه في أصله دير بموجب الحوليات السابقة، وخاصةً الكتابة في الجدار الشرقي، في الباحة بعد المدخل.

الجامع الكبير الأثري في مدينة سرمين السورية(فيسبوك) 


كما قال فيها الآثاري الفرنسي، فان برشم، الذي زارها عام 1895 للميلاد في كتابه "رحلة في سورية" سرمين "مدينة صغيرة كمدينة معرة النعمان، امتلكت يوماً ساعة ازدهارها، وهي الآن في انحدار.. الجامع الكبير مبنى على الطراز الكلاسيكي، فناؤه مستطيل ومحدد بأروقة ذات محاريب".

ووصفها الرحالان، جون أدولف وإيسامبرت إيميل، عام 1861 بقولهما "سرمين Sermein: بلدة قديمة، ولكنها اليوم تكاد تكون مهجورة، نجد فيها الكثير من الصهاريج ويحيط بها كهوف محفورة في الصخر يستخدمها السكان. لكن الأميز فيها وجود قاعات فيها العواميد الضخمة المنحوتة".

القصف يطاول أحياء المدينة (فيسبوك) 


ولم يبق لسرمين من كل آثارها اليوم، سوى الجامع الكبير، مساحته 2500م2 (50×50م) الباحة 50×35م والحرم 50×15م. في أصله معبد ثم كنيسة يستدل عليها من خلال حجر بازلتي موجود حتى الآن، على الجدار الشمالي من الباحة الخارجية، والحجر مستطيل الحجم 80×62 سم نقش عليه نحت نافر لإطارين على شكل مستطيل ضمن قرص في داخله صليب متآكل، و يبدو أنه جرن معمودية، قد استخدم هنا في البناء الخارجي وبجانبه رسم لشخص، قد يكون لأحد نساك الدير.

ويرجح باحثون أنه موقع لدير سرمين المذكور في الوثائق السريانية في متحف لندن باسم دير "بسرمين قيراتا"، وكل ماعدا هذا المسجد، محته سياسات نظام الأسد، ليأتي بعدهم تنظيم "داعش" ليجهز على ما فاض، من قبور ومنحوتات ويوقف عمل الحمامان الروميان اللذين كانا يعملان ويستقبلان الأهالي والسائحين حتى مطلع الثورة عام 2011.

يعود أهالي سرمين اليوم، بعد أن فتحوا بيوتهم لمهجري ريفي دمشق وحمص، ممن طاولتهم سياسة النظام السوري بالتغيير الديموغرافي، يعودون لبعض الوثائق وشهادات كبار السن، ليتغنوا بماضي بلدتهم التي قتلها صنّاع حاضرهم، قبل الثورة وبعدها.



دلالات

تعليق: