سرطان الثدي.. الكشف المبكر عنه يحسر ضحاياه

07 أكتوبر 2015
الصورة
جميعنا لمواجهة القاتل الخبيث (Getty)
+ الخط -

شهر أكتوبر/ تشرين الأول هو الشهر الزهريّ للتوعية حول سرطان الثدي. تُطلق الحملات في العالم، ومنها "الحملة الوطنية للتوعية ضدّ سرطان الثدي" في لبنان. ما هو الواقع هنا وكيف يمكننا محاصرة المرض؟

"تذكري تعملي صورة إشعاعية"، هو الشعار الذي اختارته اللجنة الوطنية لسرطان الثدي في لبنان لحملتها هذا العام، بعدما تبيّن أن الكشف المبكر ضمانة للشفاء بنسبة 90 في المائة. ويشدّد هنا الأطباء المتخصصون في الطب النسائي على أن التوعية مهمّة للغاية، في ظل ارتفاع نسبة الإصابات بسرطان الثدي حول العالم، بمعدّل إصابة واحدة من بين كل ثماني نساء. في هذا السياق، ما هي التدابير الوقائية لتجنّب الإصابة بهذا الداء الخبيث الذي يشغل العالم كله بانتشاره السريع؟

أكثر من 50% دون الخمسين

كشفت دراسة أخيرة أجراها فريق من الباحثين في المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت، أن أكثر من نصف النساء المصابات بسرطان الثدي في لبنان هنّ دون الخمسين من عمرهنّ. وهذه النسبة الكبيرة تجعل لبنان متقدماً عن الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا، إذ إن ربع مجموع مريضات السرطان في تلك الدول تقريباً هنّ دون الخمسين، بحسب ما تبيّن إحصائيات رسمية. وقد ربطت الدراسة الإصابة بسرطان الثدي في عمر مبكر بعوامل عدة، منها: الاستعمال المزمن لحبوب منع الحمل والسمنة والإكثار من استهلاك الدهون الحيوانية. وبناءً على نتائج الدراسة، أوصى القائمون عليها بأن تُجرى فحوصات الكشف المبكر عن سرطان الثدي في لبنان، قبل أن تبلغ المرأة سنّ الأربعين.

في هذا الإطار، يقول مدير مركز سرطان الثدي في معهد "نايف باسيل" للسرطان في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور ناجي الصغير، وهو من الفريق البحثي لـ "العربي الجديد"، إن "الكشف المبكر عن سرطان الثدي يبدأ في الولايات المتحدة وأوروبا فقط بعد بلوغ المرأة الخمسين من عمرها. أما في لبنان، فلا بدّ أن يبدأ من الأربعين، لأن نصف المصابات بسرطان الثدي في بلادنا هنّ دون الخمسين".

تجدر الإشارة إلى أن سرطان الثدي يشكّل نسبة 41 في المائة من مجمل الإصابات السرطانية لدى النساء في لبنان، و21 في المائة من مجمل الإصابات السرطانية بشكل عام، بحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية. وتُسجّل نحو ألف و700 إصابة بسرطان الثدي سنوياً في البلاد.

الفحوصات الجينيّة ضرورة

من جهته، يؤكد الاختصاصي في الطب النسائي والعقم الدكتور فريد بدران لـ "العربي الجديد" أن "من الممكن القضاء على سرطان الثدي اليوم، من خلال الكشف المبكر وعلى مراحل، أبرزها: أولاً الخضوع للفحوصات الطبية التصويرية الدقيقة بالأشعة والمتطورة (Tomosynthesis)، وثانياً الخضوع للتصوير بالرنين المغناطيسي للكشف عن نوع سرطان الثدي لدى المصابة، وثالثاً نحن نعمل اليوم كفريق لبناني متخصص في هذا المضمار بهدف حثّ النساء المعرّضات لخطر الإصابة بالوراثة لإجراء فحوصات جينية خاصة للأمراض السرطانية".

يضيف بدران أن "خطر الإصابة بسرطان الثدي يرتفع كلما تقدمت المرأة في العمر، خصوصاً بعد بلوغها 49 عاماً، وكنتيجة لعدم الإنجاب أو عدم اللجوء إلى الرضاعة الطبيعيّة، بالإضافة إلى السمنة وتناول الهرمونات بعد انقطاع الطمث. كذلك، هي تزداد في حال كانت واحدة من أفراد العائلة مصابة بسرطان الثدي. وهنا ننصح هؤلاء النسوة بإجراء الفحوصات الطبية اللازمة للكشف المبكر قبل سنّ الأربعين". ويشدّد على ضرورة أن "تخضع كل امرأة في سنّ الأربعين لصورة الثدي الإشعاعية سنوياً، بالإضافة إلى الفحص الذاتي شهرياً للثدي، وكذلك اللجوء إلى الرضاعة الطبيعية مع الابتعاد عن التشنّج والضغوطات".

العلاجات إلى تطوّر مستمرّ

من جهته، يكشف الاختصاصي في أمراض السرطان والدم، الدكتور باسم قبرصي، لـ "العربي الجديد"، أن "بحسب ما تبيّن لنا، وصل ازدياد الإصابات بسرطان الثدي في لبنان إلى 50 في المائة تحت سنّ الخمسين، وامرأة واحدة من كل ثماني نساء تصاب بالسرطان والسبب جيني. أما في البلدان الأخرى، فنسبة 20 في المائة من النساء دون الخمسين مصابات بسرطان الثدي". يضيف قبرصي أن "الكشف المبكر والعلاجات تخفف من 20 في المائة من سرطان الثدي. كذلك ثمّة أدوية عديدة منها الكيميائية الجديدة بالإضافة إلى العلاجات المهدّفة، التي تساعد على التخفيف من السرطان بنسبة مهمة. لكن هذه الأدوية مرتفعة الثمن، وقد تتراوح كلفتها ما بين خمسة وعشرة آلاف دولار أميركي شهرياً".

حملة لثلاثة أشهر

في السياق نفسه، تعلن رئيسة دائرة التثقيف الصحي في وزارة الصحة والمنسقة بين الوزارة والحملة الوطنية لمكافحة سرطان الثدي، الدكتورة رشا حمرا، في حديث إلى "العربي الجديد"، عن "إطلاق حملة للتوعية حول سرطان الثدي يوم 12 أكتوبر/ تشرين الأول في القصر الحكومي في بيروت برعاية عقيلة رئيس مجلس الوزراء لما سلام. وتستمر الحملة ثلاثة أشهر، وتهدف إلى لتذكير النساء بضرورة إجراء الفحوصات الإشعاعية اللازمة بعدما تبيّن أن ثمانية آلاف حالة سرطان تشخّص سنوياً، ألفاً و700 منها حالات إصابة بسرطان الثدي. وهذا رقم مخيف وإلى تزايد، خصوصاً إذا كانت الإصابة من جراء عامل الوراثة".

وتذكر حمرا أن "الحملة بدأت في لبنان في عام 2002 بعدما لاحظنا ازدياداً في أعداد الإصابات بسرطان الثدي. وبعد مرور عام، بيّنت إحصاءات عام 2003 توثيق ألف و300 حالة جديدة في السجل الوطني للإحصاء الخاص بمرض السرطان. وأظهر هذا السجل أن ثمّة ارتفاعاً مستمراً في عدد الإصابات الجديدة، وأن هذا النوع من السرطان يشكّل 21 في المائة من كلّ أنواع السرطانات المنتشرة بين النساء والرجال. واذا تمّت مقارنته بالسرطانات التي تصيب النساء فقط، فإن نسبته تصل إلى 43 في المائة. وهذه نسبة مرتفعة جداً".

وشدّدت على أهمية اكتشافه المبكر، استناداً إلى "دراسات عالمية أثبتت أن التشخيص المبكر للمرض يرفع نسبة الشفاء التام منه إلى 90 في المائة، بالإضافة إلى أن التجاوب مع العلاج يكون أسرع وأفضل وأقل كلفة". وإذ أشارت إلى "طرق عدة تؤكد الإصابة بالمرض لا سيّما الفحص الذاتي والفحص الطبي"، تؤكد على أن "أفضل الطرق تبقى الصورة الإشعاعية. ومن هنا بدأت الحملة في لبنان لتشجيع النساء على ضرورة إجرائها والتحلي بالجرأة للحديث عن مرضهنّ من دون خجل، إذ إن الإفصاح يسرّع العلاج وتالياً الشفاء".

وتوضح حمرا أن "اعتماد التشخيص المبكر عالمياً أدّى مع مرور الوقت إلى تأخير الإصابة بسرطان الثدي"، مشيرة إلى أنه في حال كان لدى المرأة تاريخ عائلي بالإصابة بسرطان الثدي سواء من جهة الأم أو الأب، فإنه من المفضّل البدء بإجراء الفحص في سنّ الخامسة والثلاثين".

وتعليقاً على الاعتقاد الشائع والخاطئ بأن على المتزوجات فقط إجراء الفحص، تشدّد حمرا على "ضرورة أن يشمل الفحص غير المتزوجات أيضاً، لأنهن عرضة للإصابة أكثر من المتزوجات. تغيّر الهرمونات في فترة الحمل، يشكّل عامل حماية للأخيرات". وتلفت حمرا إلى أن "62 مستشفى خاصاً تشارك في الحملة الوطنية في كل المناطق اللبنانية بالإضافة إلى 24 مستشفى حكومياً و54 مركز تصوير إشعاعياً، ما يرفع العدد الإجمالي إلى 140 مؤسسة".

إلى ذلك، ترى حمرا أن "المشكلة في عدم تجاوب النساء في المناطق، ليست صعوبة الوصول إلى مركز طبي بل هي العقلية السائدة في المجتمعات الريفية. من هنا، كان القرار السنة الماضية بالتوجه في الحملة الإعلانية إلى الرجل ليكون شريكاً فيها تحت شعار: بتذكرك بكل شي، دورك تذكرها بالصورة الشعاعية. وقد حصلنا على ردود فعل إيجابية".

وتتابع حمرا أن "ما تتطلع إليه الوزارة هو نسبة النساء اللواتي يتجاوبن مع الحملة واكتشاف حالات جديدة في وقت مبكر، لأن رصد نتائج الشفاء كنتيجة للحملة يحتاج إلى ما بين 15 و20 سنة. ونحن ما زلنا في السنة الثالثة عشرة. لكن المهم في هذه الفترة، هو ارتفاع نسبة النساء اللواتي يجرين الصورة للمرة الأولى من 11 إلى 52 في المائة. وهذه نتيجة جيدة جداً، لا سيّما مقارنة مع النسب المعترف بها عالمياً والتي تتراوح ما بين 50 و70 في المائة. هذا يعني أننا وصلنا إلى الحد الأدنى المقبول عالمياً".

اقرأ أيضاً: "قاتل النساء" بالأرقام

المساهمون