سردية القضاء في لبنان

30 مايو 2020
الصورة
لا تحيا سرديات كل الفئات الطائفية في لبنان إلا انطلاقاً من سرديةٍ أساسيةٍ: "حماية أخطاء الطوائف الأخرى لحماية أخطاء طائفتنا"، فالتبرّع بحماية تجاوزاتٍ قانونيةٍ ودستوريةٍ باسم الطوائف لا يعني أكثر من طعنة خنجرٍ إضافية في جسم الدولة، المفترض أن تكون أكثر اعتماداً على القضاء مما على "لويا جيركا" خرقاء وعشوائية السلوكات في المظهر، لكنها في غاية الذكاء في المضمون. طبعاً القضاء اللبناني لن يتحرّك بمفرده، بموجب القوانين التي تجيز له ذلك، بل سيعمل على الحصول على الضوء الأخضر للفئات السياسية ـ الطائفية أولاً، ثم يطّلع على التسوية الموصى بها ثانياً، قبل أن يُصدر قراراً يحفظ ماء وجهه أمام "الشعب اللبناني" الذي ينطق باسمه، في أي قضيةٍ ينظر بها ثالثاً. هذا عدا عن شواهد كثيرةٍ عن أحكام قضائية لا يتمّ تطبيقها بالكامل، بفعل حدوث استئناف أو تمييز ما، يطيح الحكم الأساسي. والنتيجة؟ سلطة قضائية مهترئة، لا مكان لها في بلاد التسويات أو "الديمقراطية التوافقية" سوى شكلي، لكنها قادرة على ممارسة دورها في إطار توقيف أي مغرّد أو مدوّن أو صحافي أو ناشط معارض للمنظومة.
لكن، هل يعني هذا أن القضاء يرغب في أن يكون كذلك؟ أي خاضع لمنظومة سياسية ـ طائفية محدّدة، ترسم له خطوطاً حمراء، صعب عليه تجاوزها، أو يدفع ثمنها؟ طبعاً لا، فعاملون عديدون في السلك القضائي، من قضاة ومحامين ومدّعين وغيرهم كثر، يحلمون باللحظة التي يتحرّرون فيها من الضغط السياسي، وينجحون في تحقيق شيءٍ ما فعلي وحقيقي، لحماية حقوق المواطنين. كثر لا يعلمون أن ملفاتٍ قضائية عديدة مهملة، فمنها التي فُقدت أوراقها، ومنها التي "ضاعت"، ومنها المنسية في أدراج متهالكة. هذا فضلاً عن الفترات الطويلة لمحاكماتٍ لا تستلزم أكثر من أسبوعين، وهو ما يُنهك الحياة العملية على جميع أطراف القضية.
وبالإضافة إلى ذلك كله، تقوم المنظومة السياسية في كل عقدٍ ونيّف، بإقرار قانونٍ للعفو، يسمح في إسقاط آلاف مذكرات التوقيف وإطلاق سراح كثر وإسقاط التهم عن عديدين، باسم "الطائفية"، لا باسم "الإصلاح الاجتماعي وإعادة الدمج"، ولا في سياق "استبدال الأحكام السجنية بخدمة مدنية". بدأت تلك المنظومة بأبرز قانون عفو مؤلم في العقد الاجتماعي اللبناني، وهو العفو عن أمراء الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990) وعن عناصرهم التي ظلّت في لبنان، وعملت في سلك الدولة، بعد فرار آخرين إلى دول الاغتراب. ثم أصدرت هذه المنظومة قراراً مماثلاً بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق، رفيق الحريري، عام 2005، وانسحاب قوات النظام السوري، قبل أن تعمل نفسها على قانون عفو جديد، يشمل إطلاق سراح أو إسقاط مذكرات توقيفٍ عن تجار مخدرات وسجناء بتهم إرهابية وعودة الهاربين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 2000 بعد تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي. عملياً، يسعى أركان هذه المنظومة إلى تمرير بنودٍ في قانون العفو، لحماية الفاسدين وسارقي المال العام، من دون ضجيج، على قاعدة أن الضوضاء تؤدي دورها في البنود الأساسية.
لا تستقيم أي سرديةٍ لدولة مدنية من دون قضاء حرّ، لا بالاسم والشعارات والخطابات التي تنتهي بحفل عشاء. وفي الوقت عينه، لا يمكن الضغط على العاملين في السلك القضائي في غياب شبكة أمان، تخرقها قوانين عفو وضغوط سياسية وخطوط حمر طائفية. منطقياً، أي قاضٍ حرّ، سيحاول الخروج بأحكام تراعي وضعه الأمني قبل كل شيء، وهو ما لا توفّره هذه المنظومة. أحياناً يبدو القضاء اللبناني كأنه مركب تائه في محيط، من دون مجاذِف ولا دفّة قيادة، بينما يعمل "الأقوياء" على حماية زاويتهم من المركب، وإيهام الركاب (العاملون في السلك القضائي) بأنهم سيكونون في خطر إذا فكّروا بالتخلي عن "الأقوياء". نحن أسرى سجون المنظومة، حتى يتحرّر القضاء في لبنان.
تعليق: