سد النهضة: قضية عادلة ومحامٍ رديء

24 يوليو 2020
الصورة
+ الخط -

انتزعت إثيوبيا ما تريده بشأن سد النهضة، غير مكترثةٍ باعتراضات مصر والسودان. بدا كأنها نجحت في تسديد الضربة القاضية، في توقيتٍ من اختيارها بعناية، حتى أن حرصها على إظهار تفوّقها ببدء ملء السد على قاعدة أن "النيل لنا" كان واضحاً، بعد معركةٍ خاضتها متسلحةً بكل ما تمتلك من حجج ومهارات دبلوماسية وحيل.

صحيحٌ أن للأزمة ثلاثة أطراف، مصر وإثيوبيا والسودان، لكن الأنظار تتركّز، منذ اللحظة الأولى، على القاهرة وأديس أبابا، لأسباب عدة، ليس أقلها أنهما تملكان مفاتيح تفجير أزمة واسعة أو ضبطها. وفي جعبة الطرفين حجج دفاع كثيرة ومحقّة لتفصيل وشرح أسباب تصوراتهما بشأن الآلية الأنسب لملء السد. اختارت أديس أبابا وضع مهمة الدفاع عن حقها في ملء السد بهذه الطريقة، بأيدي أفضل ممثليها، من رئيس الوزراء أبي أحمد إلى وزيري الخارجية غيدو أندارغشيو والمياه والطاقة سيليشي بيكيلي. كان هؤلاء يبرّرون موقف بلادهم انطلاقاً من قناعة تامة بكل كلمة يقولونها. على النقيض من ذلك، كان على المصريين أن يشاهدوا رأس السلطة، عبد الفتاح السيسي، ووزيري الخارجية سامح شكري والموارد المائية والري محمد عبد العاطي، وهم يفاوضون بالنيابة عنهم على شريان حياتهم ومستقبل الأجيال المقبلة، وبالكاد تغيب عنهم مشاهد السيسي عندما وقف يستحلف رئيس الوزراء الإثيوبي عدم الإضرار بمياه مصر. وكأن مشكلةً بحجم مياه النيل، ومحاولة أكثر من دولة أفريقية (وليس فقط إثيوبيا) الالتفاف على اتفاقية تقاسم المياه التي تحدد كمياتها الواصلة إلى مصر والسودان يمكن أن تُواجَه بهذه الكوميديا السوداء. كما أنه مع كل مرة يقترب فيها الخطر، كان المصريون يتساءلون عما إذا كانت صفقة ستُجرى في اللحظات الأخيرة على حساب حقوقهم، إرضاء لإثيوبيا أو أي طرف آخر ممن يمكن أن يضغط على النظام المصري، بعدما سبق للسيسي أن باع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ولم يجد صعوبة في الاتكال على وزراء حكومته لإيجاد المبرّرات له.

ما جرى في أزمة سد النهضة، يحكي الكثير عن حجم التراجع في دور مصر وتأثيرها الإقليمي، وتحديداً الأفريقي. وبعيداً عن أي خيار عسكري، لا يملك النظام القدرة الفعلية على اللجوء إليه، لاعتبارات سياسيةٍ، وليس عسكرية، بالدرجة الأولى، وجدت القاهرة، على مدى أشهر مفاوضات سد النهضة الطويلة، نفسها وحيدة، بلا أوراق ضغط حقيقية. بل كانت أديس أبابا قادرةً على التلاعب بها كيفما تشاء. وجل ما حصلت عليه مصر، في المقابل، بضع مسكّنات من الإدارة الأميركية ودول أوروبية وحتى عربية. أما الوساطة الأفريقية، وفي اللحظات الأخيرة، فبدت أقرب إلى حفظ ماء الوجه لا أكثر، لا سيما أن دول المنبع الأفريقية، في معظمها، كانت قد جاهرت، منذ سنوات، بموقفها الراغب في تعديل اتفاقية تقاسم مياه النيل، لاعتبارها أنها فُرضت عليها في زمن الاستعمار، وأنها مجحفة بحقها، على عكس وضع السودان ومصر اللذين يحتفظان بـ"حقوق تاريخية"، وهو ما تُرجم في اتفاق عنتيبي الذي جمع عدداً من دول حوض النيل والأزمة المستمرة حوله.

على مدى السنوات والعقود المقبلة، ستكون أزمات المياه، مع كل ما يرتبط بها من تداعياتٍ أمنية وسياسية واجتماعية، العنوان الأول المتحكّم بالعلاقات في القارّة الأفريقية، وبشكل خاص بين دول النيل، فالتحذير من حروب المياه في المنطقة ليس جديدا لكن خطرها قد يكون أقرب من أي وقت مضى. ما قامت به إثيوبيا عبر بناء السد يرجّح أن يتكرّر في دول أخرى، وإن على نحو أقل حجماً، تحت عنوان التنمية. ومع كل مشروع جديد، يفترض أن تتجدّد الأزمة بشأن اتفاقية تقاسم مياه النيل، ما يعني أن اسمي مصر والسودان سيحضران بشكل دائم، لأنهما الأكثر تضرّراً من كل تحول قد يحصل، ما يحتّم حدوث تحوّل في رد فعلهما.

joumana farhat
جمانة فرحات