سد النهضة: تقدّم إثيوبي في الصراع الدبلوماسي مع مصر

15 مارس 2020
الصورة
انقلبت إثيوبيا على المسار التفاوضي (إدواردو سوتيراس/ فرانس برس)

كشفت مصادر دبلوماسية مصرية، لـ"العربي الجديد"، أن التحركات الإثيوبية على مستوى العواصم الغربية لإقناعها بسلامة الموقف المعارض لاتفاق ملء وتشغيل سدّ النهضة الذي وقّعته مصر منفردة، وصاغته وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي، تلقى قبولاً واسعاً، خصوصاً في أوساط الوفود الدائمة في الاتحاد الأوروبي والدوائر السياسية ذات الأصول والاتجاهات الأفريقية واللاتينية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة. وبحسب المصادر، فقد استدعى هذا الأمر "تكثيفاً للجهود المصرية"، التي كانت بدأت بالفعل بزيارات متسارعة أجراها وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى عدد من العواصم العربية وبروكسل وباريس، فضلاً عن إرسال رسائل مكتوبة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى عدد من الزعماء العرب والأفارقة، لتوضيح موقف القاهرة في القضية.

يأتي هذا بينما استضافت مصر أمس السبت النائب الأول لرئيس مجلس السيادة السوداني الفريق محمد حمدان دقلو (المعروف بحميدتي) في زيارةٍ تستغرق يومين، تتضمن لقاءات مع السيسي ومدير الاستخبارات العامة عباس كامل، وعددٍ من المسؤولين المصريين، لمناقشة عدد من الملفات، على رأسها موقف الخرطوم الرسمي من قضية سد النهضة، والتعاون المشترك في الملفات الأمنية والاقتصادية بين البلدين.

وتأتي الزيارة بعد أقل من أسبوع من زيارة أجراها عباس كامل إلى العاصمة السودانية، أكدت بدء تحرك مصر علناً في مسار مغازلة الخرطوم لدفعها للتوقيع على اتفاق ملء وتشغيل سد النهضة، والانضمام إليها في مطالبتها إثيوبيا بالتوقيع. وتريد مصر ألا تبقى في موقعها كطرفٍ وحيد مؤيدٍ للاتفاق الذي قال السودان سلفاً إنه يوافق على 90 في المائة من بنوده، بينما رفضت إثيوبيا الاعتراف به بالكلية.

وقالت المصادر الدبلوماسية إن السفير الإثيوبي في بروكسل غروم أباي، المقرّب من رئيس الوزراء آبي أحمد، شكّل فريقاً من الدبلوماسيين عقد خلال الأسبوعين الماضيين اجتماعات مطوّلة بعدد من الوفود الأوروبية الدائمة لدى الاتحاد الأوروبي. وركّز الفريق الإثيوبي على ثلاث نقاط أساسية خلال لقاءاته، أولها رفض أديس أبابا تدويل القضية وتدخّل الوسطاء "غير المعنيين" كالولايات المتحدة لفرض حلول بعينها. أما النقطة الثانية فتتمحور حول استحقاق إثيوبيا تاريخياً وتنموياً واقتصادياً للاستفادة من مواردها المائية، بحجة أن مصر هي الدولة الأكثر استفادة من مياه النيل على مدار التاريخ، خصوصاً بعد اتفاقيتي 1902 و1959 وزعم أن مصر تحصل سنوياً على أكثر من 80 مليار متر مكعب هي حصتها المضافة إليها فوائض الفيضان من استخدام الدول الأخرى.

أما النقطة الثالثة، والتي تثير مخاوف مصر بشدة، فهي الزعم بأن الاتفاق الثلاثي بين مصر وإثيوبيا والسودان يعتبر خروجاً على الاتفاق الإطاري الموقع في عنتيبي (أوغندا) عام 2010 بين دول إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وبوروندي، الذي يعيد توزيع حصص المياه بين كل الدول. وترفض مصر والسودان التوقيع على هذا الاتفاق، والذي لم يدخل حيز التنفيذ بعد، إلا أن إثيوبيا باتت تدعي في الآونة الأخيرة أنها ترتبط بهذا الاتفاق، ليس فقط باعتبارها من الموقّعين عليه، بل أيضاً لأنه ينصّ على تمتع المنشآت التي تقام على حوض النيل بالحماية الدولية.

وذكرت المصادر أن الادعاءات الإثيوبية في مجملها "تجد آذاناً صاغية في الأوساط الأوروبية، أكثر من ردّ الفعل المصري الذي بدأ متأخراً". وأرجعت هذا القبول الأوروبي للسردية الإثيوبية إلى الانطباعات التقليدية لدى الأوروبيين بوقوع مظلومية تاريخية على دول شرق ووسط وغرب أفريقيا نتيجة آثار العصر الاستعماري الأوروبي، واستحواذ شمال أفريقيا، خصوصاً مصر، على اهتمام الغرب لعهود طويلة، فضلاً عن أفضليتها الاقتصادية والتنموية وتمتعها بوجود نظام ري راسخ وعدد من السدود، على رأسها السد العالي الذي يمنع عنها مخاطر الفيضان ويضمن استدامة الزراعة.


لكن هناك سبباً آخر للتعاطف، يتمثل بحسب المصادر في وجود نظرة عامة للدولة المصرية باعتبارها "فاشلة في إدارة مواردها"، وأنه كان يمكن لها الاستفادة من القروض والإعانات الغربية بتوسيع استفادتها من مياه البحرين الأبيض والأحمر، فضلاً عن تحسين جودة استخدام المياه، الأمر الذي لا تتمتع إثيوبيا بإمكانية تحقيقه من الأساس.

وتبدو الأمور في الولايات المتحدة متشابهة، إذ استطاعت التحركات الإثيوبية هذا الأسبوع استمالة عددٍ إضافي من النواب الديمقراطيين والجمهوريين، الذين أصدر بعضهم بيانات ضد وزارة الخزانة الأميركية، مقابل عدم قدرة السفارة المصرية والشركة التي تستعين بها لإدارة العلاقات العامة على تحقيق خرق متكافئ مع الحراك الإثيوبي.

ومن أبرز السياسيين الذين يقودون الحشد في الأوساط الأميركية لصالح إثيوبيا وضد مصر ووزارة الخزانة، النائبان عن الحزب الديمقراطي، جون غاراميندي وستيفن هورسفورد، واللذان عقدا بعض الاجتماعات مع أفراد من الشخصيات ذات الأصول الأفريقية والجاليات الإثيوبية في واشنطن ونيفادا وكاليفورنيا، تضمنت طمأنتهم لوجود رأي عام قوي مساند لأديس أبابا داخل الحزب الديمقراطي تحديداً.

وذكرت المصادر المصرية أن التواصل الحالي مع الخزانة الأميركية لم يفض إلى شيء، إذ تم إبلاغ المصريين بأن "قضية السد قد تستغرق أسابيع عدة لتحقيق انفراجة"، وأن المفاوضات مع أديس أبابا تدلّ على رهانها الوحيد على إهدار الوقت وتكريس الأمر الواقع، في ظل عدم استبعاد لجوء مصر للحل العسكري، واستغراقها في الجهود الدبلوماسية غير المجدية حتى الآن.

وكشفت المصادر أن من أسباب التباطؤ المصري الواضح في التحرك المضاد للإثيوبيين، هو تسلم الاستخبارات العامة إدارة الملف بالكامل منذ أشهر، وبالتالي فإنه يتم توجيه اللجان المختصة في وزارتي الخارجية والري من خلال خلية تنسيقية تابعة للواء عباس كامل رأساً. كما أن هذه الخلية تعقد اجتماعات شبه دورية مع عدد من أساتذة الجامعات المصريين في مجالات المياه والقانون الدولي، لكنها "رفضت مقترحاً من وزارة الري بإقامة مؤتمر وطني موسع لمناقشة الأزمة" لاعتبارات سياسية، بحسب المصادر نفسها.

في المقابل، عقدت الحكومة الإثيوبية أول من أمس الجمعة مؤتمراً وطنياً موسعاً لتأكيد اتجاهاتها السياسية نحو إنجاز مشروع سد النهضة والبدء في ملئه وتشغيله بالتوازي مع إتمام الإنشاءات، من دون انتظار الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل مع مصر والسودان.

وذكر مصدر إثيوبي تابع لجبهة تحرير تغراي، المنافس الأبرز لحزب رئيس الوزراء آبي أحمد في الانتخابات المقبلة، أن المؤتمر استعرض وجهات نظر أكثر من 30 من الدبلوماسيين والعلماء والأكاديميين ورجال الدين وقادة الأحزاب السياسية والقوميات الشعبية، في الوضع القائم والحراك الدبلوماسي الإثيوبي، وتم التأكيد أن الاتفاق لن يتم توقيعه إلا بتوافق اجتماعي كامل، ومع عدم المساس بالسيادة الإثيوبية على السد.

وجاء انقلاب إثيوبيا على المسار التفاوضي ومقاطعة جولة واشنطن، في ظلّ دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر ضد آبي أحمد، وتداول شائعات على نطاق واسع في الشارع الإثيوبي وأوساط المعارضة في الخارج والمغتربين، تركز على أن الأخير، المنتمي لقومية الأورومو، يقدّم مصالح مصر وأميركا على المصالح الإثيوبية، ويعطّل إنجاز مشروع السد.

وتحدث رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلي ميريام ديسالين من الخرطوم، الشهر الماضي، عن رغبة إثيوبيا في تأجيل الاتفاق، لفترة إضافية، غير محددة، إلى حين تهدئة الأوضاع السياسية المتوترة في إثيوبيا، بسبب الاستعدادات للانتخابات التشريعية، والتي ستشهد المواجهة الأولى بين آبي أحمد وحزبه "الرفاه/ الازدهار" وبين قومية التغراي التي رفضت الانضمام للحزب ولا تزال تحركاتها السياسية من أبرز الحركات المعارضة على الساحة المحلية للتوصل إلى اتفاق حول السد.