سجناء مصر... خوف في زمن كورونا

11 مارس 2020
الصورة
الزيارات معلّقة لعشرة أيام (خالد دسوقي/ فرانس برس)

مع انتشار فيروس كورونا الجديد في مصر، علت الأصوات الحقوقية والمجتمعية المطالبة بالإفراج الفوري عن عشرات آلاف الأشخاص في السجون المصرية، خشية تفشّي الفيروس في السجون وأماكن الاحتجاز التي تعاني أساساً الإهمال وغياب النظافة والازدحام. وحملت المطالبات بالإفراج الفوري عن السجناء سؤالاً جوهرياً: أيّهما أهمّ؟ الانتقام من المعارضين أم حماية الوطن من تفشي فيروس؟ يأتي ذلك في حين اتّخذت السلطات الإيرانية قراراً بالإفراج عن نحو 70 ألف سجين لديها، على خلفية فيروس كورونا المتفشّي في البلاد.

يفيد مصدر طبي مصري "العربي الجديد" بأنّ "الخوف هو من تفشّي الفيروس في سجون البلاد من خلال مخالطة السجناء للسجّانين والموظفين الذين قد ينقلون العدوى إلى الداخل. حينها، لن تتمكن الدولة من السيطرة على الوضع أو فرض حجر صحي على المصابين". يضيف المصدر نفسه أنّ "ذلك يتزامن مع تكدّس السجناء في الزنازين، الوضع الذي يؤدّي إلى غياب آليات النظافة والوقاية، وينذر بالتالي بكارثة تهدّد الجميع".

وقد تزايدت مخاوف أهالي السجناء في مصر عقب إصدار وزارة الداخلية المصرية أوّل من أمس الإثنين قراراً يقضي بتعليق الزيارات لكلّ السجون لمدّة عشرة أيام ابتداءً من أمس الثلاثاء، حرصاً على الصحة العامة وسلامة النزلاء وذويهم. وقد أوضحت الوزارة في بيان أنّ ذلك أتى "في ضوء ما تقرّر بشأن تعليق كلّ الفعاليات التي تتضمّن أيّ تجمعات كبيرة من المواطنين في إطار الإجراءات الاحترازية التي تتّخذها الحكومة لمواجهة فيروس كورونا الجديد، وبناءً على توصيات وزارة الصحة في هذا الشأن". وكان مجلس الوزراء المصري قد قرّر مساء التاسع من مارس/ آذار تعليق كلّ الفعاليات التي تشمل تجمّعات كبيرة من المواطنين أو تلك التي تتضمن تنقّل المواطنين بين المحافظات بأعداد كبيرة، حتى إشعار آخر، على أن تتولّى الجهات المعنية تنفيذ هذا القرار.

وأعرب حقوقيون وأهالي سجناء عن أملهم بالإفراج عن ذويهم من السجون المصرية بشكل عاجل، نظراً إلى تدهور الأوضاع الصحية في داخل السجون المصرية وتفشّي الأمراض في داخلها، ما تسبّب في وفاة أكثر من 1650 سجيناً في خلال الأعوام الخمسة الماضية، بحسب بيانات مبادرة "أصوات خلف الجدران"، وهي مبادرة حقوقية مصرية معنيّة بالدفاع عن المعتقلين السياسيين في مصر وإيصال أصواتهم إلى الرأي العام المحلي وكذلك الدولي. يُذكر أنّ الإهمال الطبي المتعمّد في السجون ومقار الاحتجاز المصرية، أودى بحياة 14 معتقلاً منذ بداية العام الجاري، وهؤلاء قضوا نتيجة الإهمال الطبي ورفض السلطات تقديم الرعاية الطبية لهم.



وتعقيباً على قرار وزارة الداخلية القاضي بتعليق الزيارات لمدّة عشرة أيام، كتبت زوجة أحد المعتقلين السياسيين في سجن المنيا على صفحتها في موقع "فيسبوك": "يعني إزاي كده.. إزاي يعني جعفر في سجن المنيا الحقير متشدد عليه وممنوع كانتين ومحطوط دواعي من ثمانية شهور يعني مفيش أكل من 16 يوم معاد آخر زيارة. ولسّه 10 أيام منع. والله أعلم إيه اللي هيحصل". أضافت: "أنا مطلوب مني أسيب جوزي إزاي من غير أكل ولا دوا ده كلّه؟ إزاي مطلوب نسكت ومنطّمنش عليهم؟ أنا هروح أبات قدام السجن أنا مش هسيبه كده. منكم لله. طلعولي جعفر طلعوه كفاية حرام عليكم كفاية ظلم وافترا كفاية كده طلعوه".

من جهته، كتب المعتقل السياسي المفرج عنه بتدابير احترازية، عبد الله مضر، على صفحته الخاصة في "فيسبوك": "أنا كمسجون قيد التحقيق، أو أهل مسجون قيد التحقيق، أتحرم ليه م الزيارة.. عشان وباء؟ طب ما الأولى أخرج عشان الوباء برضه وتابعوا التحقيق من الخارج. أتحرم من ساعة زيارة ف الأسبوع ليه؟ .. دا أنا بعيش ع الساعة دي باقي الـ 167 ساعة بتوع الأسبوع؟ ما إنتو بتروحوا بيوتكم آخر اليوم فا مش فارق معاكم المسجون ولا أهله يولعوا حتى بداعي قال إيه الوباء. المنع مش حل، والمرض مش هيختفي بعد الـ 10 أيام بتوعكم. شغّلوا الجزمة اللي في راسكم مرّة واحد لصالح الإنسان اللي مثبتتش إدانته حتى! دولة ظالمة وكل قراراتها في صالح الظلم ومفكروش مرة في مصلحة إنسان.. سواء نفسياً ولا جسدياً.. الله غالب".

وكانت منظمة "كوميتي فور جستس" قد وصفت مراكز الاحتجاز والسجون في مصر بأنّها "مراكز للموت أكثر منها مراكز لإنفاذ القانون"، راصدة وفاة 958 شخصاً ما بين 30 يونيو/ حزيران 2013 و30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 في السجون ومقار الاحتجاز المختلفة. ويصرّ حقوقيون على المطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين احتياطياً، للتخفيف من ازدحام السجون، على أقلّ تقدير وبشكل مؤقت. يأتي ذلك في حين تشير تقارير وإحصاءات المنظمات الحقوقية المصرية والدولية إلى أنّ حالات الحبس الاحتياطي وصلت إلى عددٍ لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر.

وتأتي المطالب المُلحّة والعاجلة بالإفراج عن السجناء استناداً إلى المنطق نفسه الذي يطالب بتعطيل الدراسة ومنع التجمّعات البشرية الكبرى. وتاريخياً، سبق أن عطّلت السلطات المصرية الدراسة في يوليو/ تموز من عام 2009، على خلفية مخاوف من انتشار فيروس إنفلونزا "إتش 1 إن 1" أو "إنفلونزا الخنازير" بحسب ما كانت تُعرَف، علماً أنّ حينها توفي شخصان في مصر بعد إصابتهما بالمرض فيما انتقلت العدوى إلى نحو 900 شخص. ويترقّب المصريون صدور قرار مماثل في خلال الساعات المقبلة.



تجدر الإشارة إلى أنّ 23 سجناً جديداً أنشئت في مصر ما بين عام 2013 وعام 2018، ليصل عدد سجون البلاد حالياً إلى 54 سجناً بالإضافة إلى 320 مقرّ احتجاز في أقسام ومراكز الشرطة، فيما يبقى مجهولاً عدد أماكن الاحتجاز غير المعروفة والسرية. أمّا عدد السجناء السياسيين في مصر فيُقدّر بنحو 60 ألفاً، وفق تقديرات جهات حقوقية.