سجال مرسي في تونس: سلوك يتغيّر حسب هوية الميت

27 يونيو 2019
الصورة
تظاهرة أمام السفارة المصرية بتونس الأسبوع الماضي(صالح قايدي/الأناضول)
+ الخط -
خلّف موت الرئيس المصري المعزول محمد مرسي تداعيات واسعة في مختلف الدول، التي شملت أيضاً الساحة التونسية، حيث حدث ما لم يكن متوقعاً، إذ اختلفت "النخبة" حول مدى مشروعية قراءة سورة الفاتحة على روحه تحت سقف البرلمان. صحيح أنّ الأغلبية ترحمت على الرجل، لكن البعض احتج على ذلك لأنّ المبادرة صدرت عن حركة "النهضة"، ولأن المرحوم كان أحد رموز "الإخوان المسلمين". وبدل أن يكون الموت لحظة إنسانية متعالية عن أجواء الخلاف والاحتقان والأحقاد، تحوّلت في تونس إلى محطة سياسية بامتياز، اختلف حولها الفرقاء، وزادت في تعميق المسافات وإثارة مزيد من الجراح.

وفي السياق، اعتبرت الأكاديمية آمال غرامي في مقال نشرته بأحد المواقع التونسية المحلية، أنّ "شماتة البعض من النواب التونسيين وانتشاءهم بوفاة محمد مرسي، كشف ما يستبطنون من مشاعر حقد على الأحزاب الإسلامية"، ورأت أنّ هذا الموقف من شأنه أن "ينسف آداب التعامل مع الميت". ولا يمكن في هذا السياق اتهام غرامي بالولاء إلى الإسلاميين، إذ إنّ مواقفها منهم معروفة وموثّقة، لكنها فوجئت بهذا الخطاب الذي لا يميّز أصحابه بين الخصومة الأيديولوجية وبين الكراهية اللامتناهية.

وإذا كانت آمال غرامي تنتسب إلى الفضاء الجامعي باعتبارها باحثة وأستاذة، فإنّ شخصية حمى الهمامي، الناطق باسم "الجبهة الشعبية"، تعتبر أكثر دلالة وإثارة. فهو من بين أشدّ الخصوم للإخوان وللإسلام السياسي، ومع ذلك طالب من موقعه بـ"ضرورة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لمعرفة الأسباب الحقيقية لوفاة مرسي أثناء جلسة محاكمته". واعتبر في حديث لإذاعة محلية، أنّه "لا دخل للموقف السياسي من الشخص الذي نعرف توجهاته وسياساته، لكن الأمر يتعلّق بحياة إنسان كان مسجوناً والدولة المصرية مسؤولة عنه. ولهذا، فإنّ الجبهة الشعبية تحمّل السلطات المصرية مسؤولية ما حصل له، وتطالب بلجنة مستقلة من أجل الكشف عن أسباب وفاته". حتى إنّ القوميين الذين لهم معارك شرسة مع "الإخوان"، وفي مقدمتهم الناصريون، شاركوا في تلاوة سورة الفاتحة على روح مرسي. كذلك، وعلى الرغم من رفض سالم لبيض، أحد رموز "حركة الشعب" الناصرية، لما وصفه بـ"التوظيف السياسي" للمسألة، إلا أنّه ترحّم على الرئيس المصري السابق. 

ما حصل في تونس يعكس الديمقراطية الناشئة التي يعيشها البلد. فعلى الصعيد الرسمي، تجنّبت مؤسسات الدولة التعرّض لوفاة مرسي، ولم يصدر عن رئاسة الدولة أو رئاسة الحكومة إشارة من قريب أو من بعيد إلى هذه المسألة، وذلك بحكم العلاقات الجيدة التي تربط البلدين والنظامين الحاليين. كما صدرت أوامر بمنع إقامة بصلاة الغائب عن روح الرئيس المصري السابق، من دون أن يمنع ذلك حصول بعض الاستثناءات التي تمّت من دون ترخيص. في المقابل، تحدثت وسائل الإعلام عن مرسي بكل حرية، ونقلت وجهات النظر المتباينة حول الموقف منه.

ويعتبر البرلمان حالة استثنائية، ففي داخله تتجمّع كل الأطياف، ويعبّر نوابه عن كل المواقف. فهو يمثّل الفضاء المفتوح لجميع التونسيين بمختلف ألوانهم وخلافاتهم، بعيداً عن الرقابة وعن مختلف أشكال التدخلات الخارجية والمحلية. مع ذلك، يتجاوز الأمر في بعض الحالات هذه المسائل الشكلية، ويمسّ بشكل مباشر أخلاقيات التعايش بين التونسيين. فعندما رفض رئيس حركة "النهضة" راشد الغنوشي في وقت سابق الترحّم على الرئيس الحبيب بورقيبة، أحدث موقفه صدمة لدى الرأي العام، وهو ما دفع بعدد من المسؤولين في الحركة، إلى التدخّل وتصحيح الموقف، من بينهم الشيخ عبد الفتاح مورو. وانتهى الأمر بالغنوشي إلى مراجعة الأمر، وأصبح الترحّم على مؤسس الدولة الوطنية أمراً عادياً. بل حصل انقلاب في المواقف، تُرجم بوضع صورة بورقيبة داخل مقر حركة "النهضة" من دون شعور بالحرج.

قد يعتبر ذلك مظهراً من مظاهر البرغماتية الجديدة التي أصبحت ملازمة للسلوك السياسي للحركة، غير أنّ أبعاد هذا التحوّل تتجاوز الشكل، وقد تعكس التعديلات الجارية داخل العقل الإسلامي المعاصر الذي يفترض فيه أن يدير خلافاته مع الخصوم، وفق آليات ومرجعيات مختلفة عن التكفير والإقصاء.

يمكن القول إنّ التونسيين يتجهون بصعوبة نحو اكتساب تقاليد العيش المشترك في ما بينهم، على الرغم من استمرار البعض في تغذية نزعات "الحرب الأهلية الباردة". ولن يتحقّق العيش المشترك إلا بالاحتكام إلى قاعدتين: الأولى إنسانية، والثانية حقوقية. فبالنسبة للشق الأوّل، فإن الخلاف بين الناس قانون ثابت وشامل للجميع، والمشكلة لا تكمن في من يسعى إلى تعطيل الخلاف أو إلغائه بالقوة، وإنما في كيفية إدارته ووضع آليات التحكم في تداعياته. فمن المسلم به أنّ الموت لحظة استثنائية تحسم النزاع مؤقتاً، في حين أنّ تقييم أعمال الميت واستمرار التباين معه يبقى أمراً مشروعاً عندما تكون آراؤه وأفعاله موثقة ومؤثرة عبر الزمان والمكان، لكن يفترض أن يتوقف الاشتباك خلال لحظة الفراق، وخصوصاً في حالة تشبه قضية مرسي، الذي عانى علناً من التعذيب النفسي والجسدي تمثل بحرمانه من العناية الطبية طيلة ست سنوات، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية عالمية مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي سبباً محتملاً بشدة للوفاة.

وبالنسبة للقاعدة الثانية، فإنها تتمثّل في احترام حقوق الخصم مهما اشتد الصراع معه. إذ لا يجوز تقييد يديه وساقيه، وتكميم فمه، وصلبه، ثمّ الشروع في محاورته وادعاء الانتصار عليه. هذا يسمى تعذيباً لا حواراً. وما حدث لمرسي مثال حيّ على ذلك، إذ لا يتعلق الأمر بكيفية إدارة رئاسته لمصر، وهو أمر مختلف حوله، لكن اعتقال الرجل ووضعه في زنزانة انفرادية وحرمانه من حقوق أساسية، يجعل من المسألة أمراً لا يجوز الاختلاف عليه. للأسف هناك في تونس من أنكر هذه الحقوق، وانخرط في الهجوم على الشبكة الدولية لحقوق الإنسان ومؤسساتها، بحجة أنها "جاملت" الإسلاميين في بعض مواقفها. وبلغ بهم الطعن في شرعية مطالبة المؤسسات التابعة للأمم المتحدة بإجراء تحقيق مستقل لمعرفة أسباب وفاة مرسي. ولعلّ الاستشهاد بما ختمت به آمال غرامي مقالها، يلخّص الحال: "نحن أمام أناس تغيرت نظرتهم للموت، فصار السلوك يتغيّر حسب هوية الميت".

المساهمون