سجال سياسي في فرنسا حول حقيقة "اقتحام" متظاهرين لمستشفى

03 مايو 2019
الصورة
اتهامات لوزير الداخلية بتعمد التضليل (Getty)

تعيش فرنسا على وقع سجال سياسي حول حقيقة "اقتحام" عشرات المتظاهرين من حركة "السترات الصفراء" لمستشفى "بيتييه سالبيتريير"، بباريس، خلال تخليد فرنسا لذكرى عيد العمال، التي شهدت احتجاجات قوية للنقابات العمالية وأنصار الحركة تخللتها صدامات مع قوى الأمن.


وبدأت فصول الجدل قبل يومين، وتحديدا بين من يرى أن أنصار "السترات الصفراء" لجأوا إلى الاحتماء داخل المستشفى من بطش القوى الأمنية، وطرف آخر اعتبر ما قام به هؤلاء "اقتحاما" للمؤسسة الطبية.
وقد كشف الأمر عن حالة كبرى من التهييج الإعلامي شاركت فيه كبريات القنوات التلفزيونية الفرنسية، استمر مساء يوم الأربعاء وصباح الخميس، وغذته تصريحات عنيفة لشخصيات حكومية وأخرى مسؤولة عن قطاع الصحة في فرنسا، وكلها تصريحات يُشتمّ منها أن عناصر متطرفة من المتظاهرين شاركت في "اقتحام" المستشفى، بل وتحدّث بعض الأطباء عن سرقة أجهزة من المستشفى.
وعلى الفور بادر رئيس حزب "فرنسا غير الخاضعة"، جان لوك ميلانشون، إلى التحذير من خطورة الاتهامات المتسرعة، التي يراد بها، عن قصد، تشويه المتظاهرين وحركة "السترات الصفراء"، ومُقارِناً ما اعتبره كذبة وزير الداخلية، كريستوف كاستانير، بما فعله ألكسندر بنعلا، الحارس الشخصي السابق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل سنة، وما قيل قبل سنوات من اعتداء على مستشفى نيكر الباريسي، ثبت أنه لم يقع.
وبعدما أطلقت السلطات الأمنية، صباح أمس الخميس، سراح كل من تمّ إيقافه في المستشفى، وهم 32 متظاهرا، بدأ انحسار فكرة "الاقتحام"، مفسحة المجال لما أصبح يعتقد الكثيرون أنه "انكفاء بسيط للمتظاهرين خوفا من القوى الأمنية"، واتقاء الغازات المسيلة للدموع.
وبعد أن كانت الحكومة، بمن فيها رئيسها إدوارد فيليب، الذي دان "الاقتحام غير المسؤول للمستشفى"، في حالة هجومية، أصبح موقفها الراهن ترك القضاء يقول كلمته، خاصة بعدما ظهر فيديو على "فيسبوك" يناقض الرواية الحكومية، ويُظهر متظاهرين مرعوبين، ليس بينهم أي مقنَّع، ولم يرتكبوا أي أعمال عنف ضد المسعفين والمستشفى.
وما كان للمعارضة أن تفوّت الفرصة، فقد اتُّهِم كاستانير صراحة بالكذب، حين تحدث عن "الهجوم" على المستشفى.
وكانت ردود فعل أعضاء حركة "فرنسا غير الخاضعة" عنيفة، والأمر ليس مستغرباً منها ما دام أنها تطالب منذ شهور باستقالة كاستانير، بل وانضم رئيس فريق حزب "الجمهوريون" في مجلس الشيوخ، برونو روتايو، إلى المنتقدين، وغرد: "يحب على وزير الداخلية التوقف عن صب الزيت على النار، ويجب عليه أن يقدم تفسيرات لتصريحاته التي كذَّبَتها الوقائع". في حين رأى رئيس حركة "أجيال" اليسارية، بونوا هامون، أنه "إذا تعلق الأمر بكذب متعمد بهدف واحد هو تشويه التعبئة الاجتماعية، فيجب إقالة وزير الداخلية من مهامه، فورا"، مُطالباً الحكومة بتقديم "براهين ما تؤكده".
ورأى رئيس حزب "انهضي فرنسا" اليساري، نيكولا دوبون إينيان، أن الحكومة وقعت في جنحة الأخبار الكاذبة، وطالب باستقالة كاستانير.
وسخرت النائبة الإيكولوجية في مجلس الشيوخ، إستر بنباسا، من كاستانير: "لو كان كاستانير يُدعى بينوكيو، لكان من الصعب تخيل المدى الذي سيصل إليه أنفُهُ".


أما رئيس قائمة الحزب الإيكولوجي، يانيك جادو، فطالب بإنشاء "لجنة تحقيق برلمانية"، منتقدا إذْكاءَ كاستانير المتواصل لجذوة العنف.
وطالب الشيوعيون وزير الداخلية بأن يوقف قنابله اللفظية للتضليل السياسي.
ورأى حزب "التجمع الوطني" أن هذه الحكومة تنزع عن نفسها المصداقية كل يوم.
ولم يشذّ عن القاعدة، من بين قوى المعارضة اليمينية (حزب "الجمهوريون")، سوى ناتالي بيكريس، رئيسة جهة باريس الكبرى، التي حاولت التخفيف من مسؤولية الحكومة، مندّدة بـ"ثقافة التبرير"، التي تلجأ إليها المعارضة، ومُطالبة بمتابعة قانونية للمتظاهرين الذين لجأوا إلى المستشفى بجنحة "الكسر والتحطيم".
وأمام هذه الانتقادات لم تجد وزارة الداخلية من رد سوى إبداء التأسف وانتقاد المعارضة، لأنّه "بدلاً من إدانة واضحة لأفعال لا يمكن القبول بها، فضّل البعضُ اللعب على الكلمات من أجل تعهد سجال معيب".
وسيتوجب انتظار بعض الوقت حتى تتخلص الحكومة من هذا التسرع للإدانة قبل معرفة الحقيقة، أي الضلوع في نشر الأخبار الكاذبة، وهو ما كتبته صحيفة "ليبراسيون"، من أن ما يَهُم الوزير كاستانير هو "اختراع الخبر (الكاذب)"، ورأت فيه "وسيلة الإنذار السهلة في يد الوزير". وكما ينقله عنوانها الرئيس: "(هجوم) بيتييه سالبيتريير: الأخبار الكاذبة تأتي من الداخل"، أي من وزارة الداخلية.
وكان موقع "ميديا بارت" الإخباري أكثر انتقادا لموقف الحكومة من مجريات الأحداث، متحدثا عن "أكاذيب السلطة".
الوزير كاستانير في ورطة، والمعارضة تطالب من جديد برأسه، ورئيس نقابة "سي جي تي" العمالية، فيليب مارتينيز، يرفض الرد على اتصالاته بسبب تعرّضه ورفاقه من النقابة، كما يقول، لهجوم متعمد من طرف الشرطة.


وما كاد الوزير كاستانير يُظهر فرحه لنجاح القوى الأمنية في احتواء العنف، وتجنيب باريس أن تتحول إلى "عاصمة الشغب"، حتى انقلبت عليه قضية "اقتحام" المستشفى، كلعنة لم يحسب لها حسابا.
والسؤال الذي يطرحه الكثيرون: كم من الوقت سيظل هذا الوزير الوفي والمُقرَّب من الرئيس ماكرون صامداً في وزارته؟

تعليق: