سبع خرافات لبنانية

28 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
مع أن الدرب لا يزال طويلاً، والمخاض عسيراً أمام الانتفاضة اللبنانية المثيرة للإعجاب، يمكن القول إن من بين أهم المنجزات المبكرة لهذه الانتفاضة الواعدة ما يمكن تسميتها عملية نزع القناع، ليس فقط عن وجوه سدنة النظام الطائفي الفاسد، وإنما أيضاً عن جملة من التلفيقات السياسية الرائجة في وسائط الإعلام والمجال العام، وفض ألغاز وسبر غور مصطلحاتٍ بدت عصية على الفهم أول الأمر، تلك التي بدت، حتى الأمس القريب، بديهيات ومحل إجماع، وذلك إلى أن سطعت شمس الانتفاضة العابرة للطوائف والمناطق، فأذابت الثلج وأنهت لعبة الخداع. 
إذ بفعل كثافة الاستخدام وجزالة الكلام، فضلاً عن التداول اليومي لتلك التلفيقات السياسية، ووجاهة ما كانت تشي به من تماسكٍ في الخطاب، وتوحي به من دلالات رصينة، فقد كادت هذه التعبيرات المركّبة بإتقان أن ترقى إلى مستوى المفاهيم الراسخة، وأن تتحوّل حقائق مطلقة، مع أنها مجرد ترّهات، تستحق بجدارة اسم "خرافات" بنَت سرديتها من فائض القوة الغاشمة، واقتبست موادّها الخام مما تزخر به عوالم الغلبة والاستقواء والفرض والإملاء، تلك التي سادت في زمن السلاح واستشراء العصبيات، وترسّخت أكثر في مرحلة انقلاب المعادلات واختلال التوازنات، في الداخل اللبناني وفي الجوار.
هناك عدد لا حصر له من هذه الخرافات، إلا أن هذه المقالة سوف تستعرض سبعاً منها، أُولاها خرافة "الديمقراطية التوافقية" التي لا يوجد نظير لها في عالم الديمقراطيات، ولا أساس لها في نظرية العلوم السياسية المعاصرة، سيما أن هذه البدعة السياسية لم يُعمل بها من قبل، ولم يتم الأخذ بها إلا بعد أن رجحت كفة الميزان لصالح قوة داخلية مسلحة، استعصى عليها حكم بلدٍ لا يُحكم من طائفة واحدة، ما فرض هذه السابقة غير المسبوقة في إدارة الشأن العام، وامتلاك ناصية القرار.
الثانية خرافة "الأمن بالتراضي"، المؤسسة على قانون الجبر والإكراه، المعبرة عن فلسفة الاحتكام لمنطق القوة ذاته، الموظفة كلياً في خدمة المربّعات الأمنية الحصينة، ومناطق النفوذ المغلقة على طرفٍ بعينه، أو قل إعادة إنتاج تقاليد "الخاوة" في الحارات الشعبية، بكل ما تعنيه من مفاعيل على الأرض، من استلاب لدور الدولة، وحجر على شرعيتها المطلقة في احتكار السلطة واستخدام السلاح، ناهيك عن تقاسم المسؤولية، والاشتراك في تحقيق الأمن وفرض النظام.
ثالثة هذه الخرافات، وأكثرها شيوعاً في الآونة الأخيرة، تجسّدت في "الميثاقية الدستورية" المقامة بدورها على أرضية كل من خرافتي الديمقراطية التوافقية والأمن بالتراضي، وهي تطبيقٌ لمبدأ يحاكي حق النقض سيئ السمعة في مجلس الأمن الدولي. رابعة هذه الخرافات وأشدّها ابتذالاً تمثل في ما سمي "الثلث المعطل" أو الثلث الضامن، تعبيراً ماجناً عن الشعور بالامتلاء والقدرة على فرض الأمر الواقع، لشرعنة الغلبة، وتمرير التفرّد، وقوننة الهيمنة، وامتلاك الزمام، حتى لا نقول السيطرة، على قرار الدولة التي باتت في جيب صغير في معطف الدويلة المدجّجة بكل صنوف السلاح.
خامسة هذه الخرافات، وأكثرها تفاهة، تجلت أخيرا في ما أطلق عليها "حصة رئيس الجمهورية" في تشكيلة الحكومة، الحصة التي جرى انتزاعها بفعل عامل القوة الكامنة لدى الحليف العتيد، وفرضها على بقية الشركاء بالقوة من وراء حجابٍ شفيف، لتعزيز الإمساك بسائر خيوط اللعبة والتسيّد على "الأفرقاء". فيما جرى على خط موازٍ، وعلى القاعدة المعمول بها، إقحام الخرافة السادسة (ليست خرافة كاملة) باختلاق مبدأ "شرعنة السلاح غير الشرعي" عبر بياناتٍ حكوميةٍ مملاةٍ بقبضةٍ من حديد، تنص على أن الدفاع عن البلد على عاتق الجيش والشعب والمقاومة.
سابعة الخرافات وأشدّها صفاقة تبدّت في مبدأ "النأي بالنفس" الذي شاع غداة نشوب ثورات الربيع العربي، في إشارة إلى التزام لبنان عدم الانخراط بما يجري حوله من تطوّرات، حيث ظل هذا المبدأ المخاتل معمولاً به على الورق، فيما مضت القوة القابضة على رقبة الدولة المستضعفة تصول وتجول في جوار الشام، وفي غيرها من العواصم الأربع الدائرة في فلك النظام الإيراني.
هناك خرافات أقل رواجاً، لكنها مليئة بالادّعاء. يمكن الاكتفاء بالإشارة إليها من دون مزيد من البيان، فهي شارحة نفسها بنفسها، وكاشفة عن مشاعر عنصرية مقيتة، راحت تتفشّى أخيرا في بعض الأوساط، مثل "الطراز اللبناني الفريد" و"العبقرية اللبنانية" و"جينات التفوّق اللبناني" وغير ذلك من هذر وكلام نرجسي مريض، أحسب أن الانتفاضة قد أسقطته، أو على وشك أن تسقطه من الحساب.
45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي