سباق محموم بين الشركات الأميركية لجمع السيولة

24 يونيو 2020
الصورة
مقر سوق وول ستريت غربي جزيرة مانهاتن (Getty)
+ الخط -
على الرغم من الجهود المبذولة على نطاق واسع لإعادة فتح الشركات الأميركية، بعد أكثر من شهرين من الإغلاق التام الذي تسبب في توقف تام لإيرادات عدد كبير منها، وتراجعها بصورة كبيرة لدى آخرين، يزداد تخوف تلك الشركات من تراجع السيولة لديها، مما لن تفلح حزم الإنقاذ وبرامج المساعدات الضخمة التي أقرها الكونغرس ونفذتها الحكومة خلال الشهرين الماضيين في التعامل معه، نظراً لاحتفاظ تلك الشركات بذكريات أليمة من الأزمة المالية العالمية في 2008 – 2009 .

وبعد اندلاع أزمة انتشار الوباء، وتزايد توقعات توقف الاقتصاد وتلاشي الإيرادات، عمدت الشركات الأميركية على جمع ما أتيح لها من نقدية، تحسباً لحدوث أزمات سيولة في الشهور التالية. ومن بين الشركات التي يتكون منها مؤشر اس آند بي 500، كان متوسط الزيادة في النقدية والاستثمارات قصيرة الأجل خلال الربع الأول من العام الحالي 13.9%، مقارنة بأقل من 4.1% في الأرباع الثلاثة السابقة.

وبخلاف تعليق عمليات الاستثمار، وتقليص النفقات وتسريح العمالة، شهدت الفترة الماضية إقبالا منقطع النظير من الشركات المدرجة في سوق الأوراق المالية الأميركية على إصدارات الأسهم والسندات، لتصل قيمة ما تم جمعه من نقدية مقابل بيع أسهم خلال الثمانين يوماً الأخيرة إلى ما يقرب من 150 مليار دولار، ليرفع نصف عدد المؤسسات المالية الأميركية المشمولة ضمن مؤشر اس آند بي 500 من مديونيته بما لا يقل عن 3.38% خلال الربع الأول من العام، مقارنةً بما كانت عليه خلال الربع الأخير من العام الماضي.

ورغم إعلانها قبل عشرة أيام أن معدل استخدامها للسيولة النقدية خلال شهر يونيو/ حزيران الجاري سيكون أفضل مما كان متوقعاً، وأنه سيسمح لها بالاحتفاظ بما يقرب من 11 مليار دولار عند نهاية الشهر، أعلنت أمريكان أيرلاينز، التي تمتلك أكبر أسطول طائرات في الولايات المتحدة، عزمها جمع 3.5 مليارات دولار، من خلال إصدار يشمل أسهما عادية ومفضلة وسندات وقروضا مباشرة.

يذكر أن الـ 11 مليار دولار من السيولة النقدية التي توقعت الشركة الوصول إليها بنهاية الشهر الجاري تشمل 5.8 مليارات حصلت عليها من خلال "برنامج حماية الأجور" الذي أقرته الحكومة الأميركية لمساعدة الشركات على الاحتفاظ بالعمالة لديها، بالإضافة إلى 4.75 مليارا تتوقع الحصول عليها من وزارة الخزانة قبل نهاية الشهر.

وبعد إعلان شركة يونايتد إيرلاينز استئناف رحلاتها إلى ما يقرب من 150 جهة في الولايات المتحدة وكندا، كما 140 رحلة من رحلاتها المباشرة حول العالم، خلال يوليو/ تموز القادم، وهو ما يتوقع أن يحسن نسب ما تعطل من طاقات تشغيلية لدى الشركة ليكون 70% فقط، بعد أن كان 87% خلال يونيو/ حزيران الجاري، ما زالت الشركة صاحبة ثاني أكبر أسطول طائرات بين خطوط الطيران الأميركية تعاني من نقص السيولة لديها.

والأسبوع الماضي أعلنت الشركة عن نيتها الاقتراض من خلال برنامج فريد من نوعه، تحصل بموجبه الشركة على 5 مليارات دولار من البنوك خلال أقل من أسبوعين، بضمان برنامج "الأميال الإضافية" الذي تروج له العديد من البنوك من خلال بطاقاتها الائتمانية. ويوفر البرنامج ضماناً للمقرضين كونه مملوكاً لشركة مستقلة عن خطوط الطيران المأزومة، وتقدر يونايتد قيمته بما يقرب من 22 مليار دولار.

ولم تختص أزمات السيولة شركات الطيران الأميركية وحدها، حيث امتدت إلى العديد من القطاعات الأخرى مثل الخدمات المالية والعقارات والاتصالات والإعلام ومبيعات التجزئة، التي أعلنت شركات فيها بيع كل أو جزء من حصصها في شركات أخرى، في محاولة لتأمين سيولة نقدية، تراها ضرورية في الفترة القادمة.

والشهر الماضي، باعت شركة "بي ان سي PNC" القابضة للخدمات المالية، التي تملك ضمن شركاتها بنكاً يحمل نفس الاسم، حصتها، البالغة قيمتها أكثر من 13 مليار دولار، في عملاق إدارة الاستثمارات "بلاك روك"، بعد أكثر من ربع قرن من شرائها، في واحدة من أكبر عمليات البيع في السوق الثانوية في التاريخ.

وخلال الشهور الثلاثة الماضية، وبعد سحبها كامل الحد الائتماني الممنوح لها من البنوك، والبالغ حجمها 13.8 مليار دولار، باعت بوينغ، عملاق صناعة الطائرات التجارية، سندات بقيمة 25 مليار دولار، وضاعفت شركة "بيبسي" من سيولتها باقتراض مبلغ 7.6 مليارات دولار، وباعت شركة "جاب" للملابس سندات بمبلغ 2.25 مليار دولار، بعد سحبها لنصف مليار دولار تمثل كل الحد الممنوح لها من البنوك، وباعت مجموعة فنادق "هيلتون" العالمية ما وصلت قيمته إلى ملياري دولار من سندات ونقاط عضوية في برامجها، بخلاف اقتراضها 1.5 مليار دولار من البنوك.

وخلال نفس الفترة، زادت "ماكدونالدز" من قروضها بنسبة 10% باقتراض 4.8 مليارات دولار، ورفع مُصَنع الشرائح "إنتل" مديونيته بنسبة 35% باقتراضه 10.4 مليارات دولار، وعرضت شركة "كارنيفال"، المتخصصة في الرحلات البحرية ستّاً من سفنها للبيع، وأوقف مطور العقارات "لنار" شراءه الأراضي، وزادت شركة "أجيلنت للتكنولوجيا" من تحويل أرباح عملياتها في الخارج إلى الشركة الأم في الولايات المتحدة.

ولم يأت قلق الشركات الأميركية، ورغبتها التي يراها البعض مبالغاً فيها في تأمين السيولة النقدية، من فراغ، حيث بدا واضحاً أن الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انتشار الوباء وأوامر الإغلاق الكبير الهادفة للحد من انتشاره، في سبيلها إلى التحول إلى أزمة مالية، رغم جهود الحكومات الضخمة لمنع ذلك.

ويوم الاثنين، أصدرت "بلاك نايت"، المتخصصة في تطبيقات وبرامج تحليل بيانات قروض الرهن العقاري، تقريراً أكدت فيه ارتفاع نسبة من تخلفوا عن دفع أقساط قروض الرهن العقاري الخاصة بمنازلهم خلال شهر مايو / آيار الماضي إلى 7.76%، بعد أن كان 6.45% في الشهر السابق، و3.39% في الشهر الأسبق.

وقالت الشركة إن هذه النسبة تعني أن ما يقرب من 4.3 ملايين شخص قد تأخروا عن دفع أقساط من القروض استحقت عليهم قبل أكثر من شهر، من دون وجود اتفاق مع الدائنين على تأخير الدفع.

وأشار التقرير إلى أن عدد المتعثرين ارتفع بنحو 2.3 مليون متعثر، ما يمثل نسبة تتجاوز 50%، خلال الشهرين الماضيين، اللذين شهدا بداية عملية تسريح الملايين من العاملين، رغم إنفاق مليارات الدولارات التي حاولت بها الحكومة الفيدرالية، كما حكومات الولايات، تعويض المتعطلين عن العمل لتجنب مثل هذا النوع من الأزمات.

المساهمون