سباق على منبج السورية: الحسم ينتظر نتائج الحراك الروسي التركي

29 ديسمبر 2018
الصورة
قوات من المعارضة تقترب من منبج أمس(بكر القاسم/فرانس برس)
عكست التطورات والتحركات على الساحة السورية أمس الجمعة سباقاً بين أطراف مختلفة لحسم مصير مدينة منبج شمالي شرق مدينة حلب، الواقعة تحت سيطرة الوحدات الكردية، والتي بدأت منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره بسحب قواته بشكل كامل من سورية، محادثات مع النظام السوري لإدخاله إلى مناطقها، بهدف حماية نفسها من عملية عسكرية توعّدت بها تركيا لطرد الوحدات من شرقي الفرات. ميدانياً بدا أن النظام السوري ومن خلفه روسيا يستعجلان فرض السيطرة على منبج، وذلك من خلال مسارعة النظام إلى الإعلان أمس الجمعة عن دخول قواته إلى مدينة منبج، الأمر الذي نفته تركيا، متحدثة عن "عملية نفسية" يقوم بها النظام. كذلك نفى التحالف الدولي إلى جانب وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" صحة ما أعلنه النظام، بالتوازي مع إعلان المعارضة السورية المسلحة استعدادها لبدء عملية لتحرير المدينة.
في موازاة ذلك، يبدو جلياً أن حسم مصير المدينة لن يتم قبل حصول توافقات سياسية تركية-روسية، قد تبدأ معالمها تظهر خلال زيارة مسؤولين أتراك إلى موسكو اليوم السبت، ويُتوقع أن تتبلور بشكل نهائي خلال القمة الثلاثية بين الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني في موسكو مطلع العام المقبل، وذلك وسط ضغوط من أنقرة لتسوية تحفظ مصالحها، مع تشديدها على أن منطقة شرقي الفرات ومنبج هي قضية أمن قومي بالنسبة لها، نظراً لجغرافية المنطقة ومحاذاتها الحدود التركية السورية.

وتسارعت أمس التطورات المتعلقة بمدينة منبج، إذ بادر النظام السوري إلى الإعلان عن دخول قواته إلى المدينة، وذلك بعد دعوة تلقاها من الوحدات الكردية. وقال متحدث باسم قوات النظام إنه "انطلاقاً من الالتزام الكامل للجيش بتحمل مسؤولياته الوطنية في فرض سيادة الدولة على كل أراضي الجمهورية السورية، واستجابة لنداء الأهالي في منطقة منبج، تعلن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة عن دخول وحدات من الجيش السوري إلى منبج ورفع علم الجمهورية العربية السورية فيها".
وكانت "وحدات حماية الشعب" الكردية قد دعت قوات النظام للدخول إلى منبج لمنع العملية العسكرية التي تحضّر تركيا لتنفيذها في المدينة وفي شرق نهر الفرات. وقالت الوحدات في بيان لها إنها انسحبت من منبج نتيجة استمرار التهديدات التركية بشن عملية عسكرية ضدها، داعية قوات النظام لإرسال عناصرها لاستلام النقاط التي انسحبت منها وحمايتها من هجوم الجيش التركي.

لكن إعلان النظام دخول قواته إلى المدينة قوبل بتشكيك كبير. وأوضحت نائبة الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في منبج، نورا الحامد، لوكالة "فرانس برس"، أن المفاوضات مع النظام بشأن منبج "تمت برعاية روسية"، مشيرة إلى أن "قوات النظام لن تدخل مدينة منبج نفسها، بل ستنتشر عند خطوط التماس" مع تركيا والفصائل السورية الموالية لها. وأوضحت الحامد أن قوات التحالف الدولي "ما تزال موجودة في مواقعها ومقراتها وتسيّر دورياتها عند خطوط التماس".
كما قال التحالف الدولي إنه لا توجد تغييرات في الانتشار العسكري في منبج، مضيفاً أن إعلان قوات النظام دخولها إلى المدينة "غير صحيح". ودعا "الجميع إلى احترام وحدة أراضي منبج وسلامة مواطنيها".

كذلك ذكرت مصادر محلية لـ"العربي الجديد" أن قوات النظام لم تدخل إلى مدينة منبج، وما زالت في بلدة العريمة الواقعة جنوب غرب منبج بعدة كيلومترات، مشيرة إلى أن الوحدات الكردية رفعت علم النظام في إطار التمويه. وأوضحت المصادر أن القوات الأميركية المتمركزة في قرية السعدية في منبج أطلقت الليلة قبل الماضية قنابل مضيئة باتجاه المنطقة التي تتمركز بها قوات النظام في العريمة، فيما حلقت أمس الجمعة طائرات مروحية تابعة للتحالف الدولي على طول الحدود التي تفصل قوات النظام عن مناطق سيطرة "وحدات حماية الشعب".

كذلك نفى المتحدث العسكري الرسمي باسم "الجيش الوطني" التابع للمعارضة السورية، الرائد يوسف حمود، دخول قوات النظام إلى منبج، موضحاً في تصريح صحافي أن كل ما حصل هو استقدام تعزيزات عسكرية للنظام إلى منطقة التايهة التي تبعد عن منبج حوالي 16 كيلومتراً. واعتبر أن ما قام به النظام من ترويج لدخوله إلى مدينة منبج هو "تعبير عن إفلاسه، بغية تحقيق نصر معنوي عن طريق الشبيحة داخل منبج، من خلال إصدار بيانات كاذبة".


من جهته، قال القيادي في الجيش السوري الحر، مصطفى سيجري، لـ"العربي الجديد"، إن منبج "ما زالت خاضعة لسيطرة المجموعات الإرهابية، ولم يحدث أي انسحاب"، معتبراً أن عملية رفع علم النظام "مسرحية لا تختلف عن المسرحيات السابقة كما حدث في ‎عفرين وغيرها". وأضاف أن البيانات الصادر عن "‎قسد" ونظام بشار ‎الأسد "محاولة للالتفاف على التفاهمات الأميركية-التركية، وفرض أمر واقع جديد".

فيما أفاد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، وكالة "فرانس برس"، عن "انتشار أكثر من 300 عنصر من قوات النظام والقوات الموالية لها على خطوط التماس بين مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية والقوات التركية مع الفصائل السورية الموالية لها". وقال إن قوات النظام "فرضت ما يشبه طوقاً عازلاً بين الطرفين على تخوم منطقة منبج من جهتي الغرب والشمال".

تركيا المعنية الأبرز بهذا الملف، لم تتأخر للتشكيك في إعلان النظام. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في تصريحات صحافية، إن النظام السوري يقوم بـ"عملية نفسية" في منبج، موضحاً أن لا شيء مؤكداً حتى اللحظة حول ما أعلنه على الأرض. وأضاف أردوغان: "تواصلت مع أصدقائنا ومع جهاز الاستخبارات، نعلم أن هناك شيئاً من قبيل رفع علم (النظام) هناك، لكن لم يحدث أي شيء مؤكد بعد، والجهات الرسمية الروسية تؤكد الأمر نفسه". وتابع: "علينا أن نأخذ الأمر على محمل الجد".
وأكد أردوغان أن الوضع لا يتعلق بمنبج وحدها، بل يتم السعي من أجل القضاء على المنظمات الإرهابية المنتشرة في كامل المنطقة. وشدد على "أننا نعارض تقسيم سورية وهدفنا هو خروج التنظيمات الإرهابية منها، وعندما يتحقق ذلك لن يبقى لنا شيء نفعله في هذا البلد". وتابع "هدفنا تلقين المليشيات الكردية الدرس اللازم، ومصرّون تماماً على ذلك". وأوضح أردوغان أن علاقات بلاده مع الجانبين الأميركي والروسي متواصلة بصورة طيبة. وأشار إلى إمكانية عقد مباحثات هاتفية أو زيارة يقوم بها إلى موسكو للقاء نظيره الروسي للحديث حول المستجدات في سورية. وأضاف أن وفداً تركياً برئاسة وزير الخارجية مولود جاووش أوغلو ووزير الدفاع خلوصي آكار، سيتوجه اليوم السبت إلى موسكو، وسيناقش القضية السورية بشكل مفصل. ويضم الوفد رئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، وممثل الرئيس إبراهيم كالين، فضلاً عن السفير التركي في موسكو.
من جهتها، قالت وزارة الدفاع التركية إن "وحدات حماية الشعب ليس لها الحق أو السلطة لدعوة عناصر أخرى لدخول منبج". وطالبت الوزارة كل الأطراف بالامتناع عن اتخاذ أي إجراءات تزعزع استقرار المنطقة.

في المقابل، كانت روسيا ترحب بدخول قوات النظام منطقة منبج، معتبرة أنه أمر "إيجابي". وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف، "هذا يسير في اتجاه استقرار الوضع. إنّ توسيع منطقة سيطرة القوات الحكومية هو بالتأكيد توجّه إيجابي". ولفت إلى أنّه سيتمّ بحث المسألة خلال زيارة وزيري الخارجية والدفاع التركيين لموسكو اليوم، ويتوقّع بحسب قوله أن "تلقي بعض الضوء" وتسمح بـ"تنسيق التحرك" بين روسيا وتركيا.

وتأتي الزيارة الرسمية التركية إلى موسكو اليوم استباقاً لقمة رئاسية ثلاثية حول سورية، تجمع بوتين وأردوغان وروحاني بعد أيام، أعلنت عنها روسيا أمس. ونقلت وكالة أنباء "انترفاكس" الروسية عن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف قوله أمس "جاء دورنا لاستضافة قمة الدول الثلاث الضامنة، بين الرئيسين التركي والإيراني ورئيسنا. وتم التوافق على عقدها في مطلع الأسبوع الأول من السنة. يتوقف ذلك على أجندة الرؤساء".

في السياق، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في مؤتمر صحافي مشترك أمس، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي في موسكو، إن موسكو تنظر للعملية التركية المرتقبة شرقي الفرات، من "منظور القضاء على الإرهاب ووحدة أراضي سورية واستعادة سيادتها". ورفض التعليق على القرار الأميركي بالانسحاب من سورية، قائلاً إنه "ينتظر أن تقترن الأفعال بالأقوال". وأضاف أن "الأميركيين لا ينفذون دائماً وعودهم، وبعيداً عن ذلك... من الواضح أن واشنطن تريد نقل المسؤوليات على الأرض لشركائها في التحالف".

وتشهد منبج حالة من الترقب والتوتر منذ إعلان واشنطن نيتها سحب قواتها من سورية، وتوجّه رتل عسكري تركي إلى الحدود الجنوبية بولاية كليس التركية. وفي السياق، أعلنت هيئة الأركان العامة في "الجيش الوطني" التابع للمعارضة السورية، عن جاهزية قواتها إلى جانب الجيش التركي عند حدود مدينة منبج شمال سورية لبدء عملية عسكرية بهدف تحرير المدينة من الوحدات الكردية. وقالت الهيئة في بيان إن أرتال قواتها إلى جانب الجيش التركي بدأت بالتحرك نحو حدود منبج وتعلن جاهزيتها التامة لبدء عملية تحرير المدينة. وأشار البيان إلى أن ذلك يأتي استجابة لـ"مناشدات أهلنا في منبج لتخليصهم من ممارسات عصابات الأحزاب الانفصالية الإرهابية".

كذلك قالت وكالة "الأناضول" التركية أمس، إن تعزيزات عسكرية تركية جديدة وصلت إلى قضاء ألبيلي التابع لولاية كليس جنوبي تركيا، بهدف تعزيز الوحدات المنتشرة على الشريط الحدودي مع سورية، مشيرة إلى أن الرتل العسكري يضم دبابات ومدافع وناقلات جنود مدرعة محملة على الشاحنات.

وكانت مصادر عدة قد أشارت إلى تحركات تقوم بها الوحدات الكردية من أجل تسليم قوات النظام بعض المواقع في المناطق التي تسيطر عليها، وذلك من خلال زيارات تقوم بها ممثلة "قسد" جيهان أحمد إلى دمشق، إضافة إلى اجتماع عدد من ممثلي الوحدات الكردية مع وفد من النظام في منطقة عين عيسى بريف الرقة. وفي هذا الإطار، قال مسؤول لجنة العلاقات الدبلوماسية التابعة للوحدات الكردية، آلدار خليل، "إنه لا مانع من انضمام وحدات حماية الشعب إلى جيش النظام وفق تفاهمات محددة". وقال خليل في تصريحات نقلتها مواقع كردية أمس الجمعة إن مفاوضاتهم ما زالت مستمرة مع نظام الأسد وروسيا من أجل إرسال قوات عسكرية إلى الحدود مع تركيا. وجدد رفض الوحدات الكردية عودة قوات البشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق إلى مناطقهم.