سباق البيت الأبيض ينطلق اليوم: أيوا بارومتر الناخب الأميركي

03 فبراير 2020
الصورة
أي فوز حاسم لساندرز سيكون رسالة للقيادة الديمقراطية(توم برينر/Getty)
+ الخط -

لطالما شكلت ولاية أيوا، الصغيرة والمعروفة بالبراري الخصبة على ضفاف نهر مسيسيبي في وسط غرب الولايات المتحدة، مركز استقطاب لكل من لديه طموحات رئاسية، إذ يمرّ الطريق إلى البيت الأبيض عبر هذه الولاية التي تفتتح موسم الانتخابات الأميركية اليوم الإثنين. وستكون، كما جرت العادة، في كل الاستحقاقات الرئاسية أول ولاية تصوت في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، حيث تشتد المنافسة لحسم هوية المرشح عن الحزب الذي سينافس الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. 
 
ناخبو أيوا مجبولون بالسياسة بكل تفاصيلها، وخياراتهم الانتخابية تكون عادة صائبة في توقّع هوية الفائز في الانتخابات التمهيدية. وأيوا هذا العام فيها نكهة تنافس خاصة، ويتطلّع إليها الليبراليون لتساعدهم على غربلة من يستحق تمثيلهم في مواجهة الرئيس دونالد ترامب في الخريف المقبل. لكنّ هذه الولاية التي سطع فيها نجم الرئيس السابق باراك أوباما في معركته ضدّ وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون عام 2008، يبدو أنها قد تتحدّى مرة أخرى القيادة التقليدية في الحزب الديمقراطي.

الاهتمام بهذه الولاية لا يعكس حجم قوتها الانتخابية، لأنّ مساهمة أيوا في المجمع الانتخابي للحزب الديمقراطي هي 41 مندوباً فقط من أصل 4.750 سيقررون هوية الفائز أو الفائزة في الانتخابات التمهيدية، لكنّ مرشحي الرئاسة صرفوا فيها إلى الآن 50 مليون دولار من الإعلانات الدعائية. كما نظّمت حملاتهم الرئاسية حوالي 2.500 تجمع انتخابي منذ بداية العام الحالي فقط.

أولى ولايات الانتخابات التمهيدية (أيوا ونيوهامشير ونيفادا وكارولينا الجنوبية) تمثل 5 في المائة فقط من مجموع المندوبين، لكن أهميتها هي أنها تعكس مبكراً مزاج الناخب الأميركي. وقد تمّ وضع هذه الولايات الصغيرة في مطلع السباق، لأنّ المرشحين عادة لا يكترثون سوى للولايات الكبيرة التي تكون جائزة المندوبين فيها أكبر. غير أنّ الحزب الديمقراطي اختار أيوا تحديداً كأول ولاية منذ عام 1972، نظراً لنظامها الانتخابي المعقّد الذي يستغرق وقتاً طويلاً لفرز مندوبيه.

في توقيت الساحل الشرقي الأميركي، يتجمّع الناخبون الساعة السادسة مساءً في 1678 مكاناً عامّاً في 99 مقاطعة في ولاية أيوا، بما في ذلك المكاتب العامة وملاعب المدارس، وحتى منازل الناس في بعض البلدات الصغيرة.

السياسة في أيوا تستقيها من مصادرها الأولى، الشرعية الشعبية، إذ لا أمل للفوز لأي مرشح سوى في التواصل المباشر مع الناخبين في المقاهي والأماكن العامة في المدن والأرياف، في ولاية حجمها 146.000 كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها حوالي 3.15 ملايين نسمة. لكن نسبة التصويت تكون عادة منخفضة في أيوا، حيث اقترع حوالى 16 في المائة من الناخبين المؤهلين في الانتخابات الرئاسية عام 2016، أي حوالي 360.000 ناخب، وهذه كانت أعلى نسبة تصويت في تاريخ المجمعات الانتخابية في الولاية. ويعود هذا الأمر إلى نظامها الانتخابي الذي لا يستقطب سوى الناشطين المتحمسين للمشاركة في المعارك الضارية التي تشهدها المجمعات الانتخابية.

والمجمعات الانتخابية مفتوحة في أيوا، أي يمكن لأي ناخب المشاركة فيها حتى لو كان جمهورياً أو مستقلاً. يكون لكل مرشح رئاسي ممثلون يسعون لإقناع المشاركين في المجمع الانتخابي بالانضمام إليهم، بالوقوف تحت راية اسم مرشحهم المفضل. وبعد دورتين من المداولات والتحركات، يتمّ تعداد أرقام الداعمين لكل مرشح في كل دائرة انتخابية لتحديد الفائز في مجمل الولاية. ويحتاج كل مرشح أو مرشحة على الأقل إلى 15 في المائة من أصوات الناخبين في دائرة معينة للحصول على مندوب واحد على الأقل. ومع أنّ نتائج الانتخابات قد يكون فيها غموض لأنّ الولاية تعتمد النظام النسبي، لكنّ الأساس هو معدل أرقام المندوبين لكل مرشّح من بين 41 مندوباً يمثلون أيوا في المجمع الانتخابي القومي للحزب الديمقراطي. وللمرة الأولى هذا العام، سيكتب الناخبون اسم من يدعمون بين المرشحين على ورقة، لتفادي أي مشاكل مثلما حصل عام 2016 في حال تقرر إعادة احتساب الأصوات.

بالإضافة إلى الـ41 مندوباً منتخباً، هناك ثمانية مندوبين يمثلون ولاية أيوا ويذهبون بشكل مباشر إلى المؤتمر القومي. هؤلاء "المندوبون الكبار" الذين يتم اختيارهم من كل الولايات الأميركية، يمثلون عادة قيادة الحزب الديمقراطي، ولديهم القدرة على حسم الانتخابات التمهيدية، كما كان هذا السيناريو لصالح هيلاري كلينتون عام 2016 على حساب منافسها بيرني ساندرز. إذ أدى التدخل لصالح هيلاري إلى أزمة داخل الحزب الديمقراطي تبعها إصلاحات في نظام تصويت المجمع الانتخابي القومي، بحيث أصبحت تسميتهم "مندوبين تلقائيين"، وتمنعهم القوانين الجديدة من الاقتراع في الجولة الأولى من تصويت المندوبين لاختيار مرشح الحزب. هذه الجزئية من النظام الانتخابي ستكون حاسمة وتحت المجهر هذا العام.

ويعطي معدل استطلاعات الرأي في ولاية أيوا الأرجحية للسيناتور بيرني ساندرز بـ 23.8 في المائة، مقابل 20.2 في المائة لنائب الرئيس الأسبق جو بايدن، و15.8 في المائة لعمدة ساوث بند بيت بوتجيج، و14.6 في المائة للسيناتور إليزابيث وارن. ضبابية هذه الانتخابات زادت بعدما قامت صحيفة "دي موين ريجستر" المحلية بإلغاء، لأسباب تقنية، استطلاعها الشهير الذي تنشره عشية كل انتخابات ويعطي عادة الاتجاه المتوقع لنتائجها.

المعركة متساوية بين التيار اليساري (ساندرز ووارن) والتيار الوسطي (بايدن وبوتجيج)، ونظراً للنظام الانتخابي النسبي في أيوا، سيحاول كل مرشح تفسير النتائج لصالحه. لكن على عكس انتخابات الولاية التي هزمت فيها كلينتون ساندرز بفارق بسيط، لدى الأخير زخم انتخابي هذا العام يجعل احتمال فوزه أكثر جدية انطلاقاً من أيوا. وبالتالي، هناك تفكير حالياً بين القيادات الديمقراطية بالتراجع عن إصلاحات النظام الانتخابي، في محاولة لقطع الطريق مرة أخرى على فوز ساندرز. وفي السياق، نفى الرئيس الحالي للحزب توم بيريز، في تغريدة له على "تويتر" أخيراً، أن يكون هناك أي اتجاه للتراجع عن هذه الإصلاحات، لكن هناك ملامح أزمة خلال مؤتمر الديمقراطيين في الصيف المقبل إذا لم تفرز انتخابات الولايات إجماعاً بين المندوبين حول مرشح واحد.

أيوا اكتسبت أهمية نظراً لقدرتها على التكهّن بهوية الفائزين بمرشحي الرئاسة عند كل من الديمقراطيين والجمهوريين، وقد صوّتت هذه الولاية لسبعة من أصل آخر تسعة مرشحين فازوا في الانتخابات التمهيدية عن الحزب الديمقراطي. المفاجآت دائماً محتملة في نظام انتخابي مثل الذي تعتمده أيوا، حيث إن قدرات حملة وارن التنظيمية قد تساعدها في الميدان الانتخابي، والمرشحة إيمي كلوبوشار تقدّمت في استطلاعات الرأي خلال الأيام الأخيرة، فيما أي فوز حاسم لساندرز قد يكون رسالة واضحة للقيادة الديمقراطية في الولاية التي رمت بثقلها وراء بايدن. أيوا هي بداية سباق رئاسي طويل ومعقد بين تيارين داخل الحزب الديمقراطي، ونتائج هذه الولاية قد ترسم أول ملامح هذا الصراع.

المساهمون