سايكس بيكو بوجه جديد

23 سبتمبر 2016
+ الخط -
اتفاقية جديدة في المنطقة العربية، يدور رحى طحينها في سورية، وبطلاها هما وزيرا خارجية الولايات المتحدة وروسيا، سيذكرها التاريخ باسم اتفاقية لافروف كيري.
سلم العرب والسوريون أنفسهم لأميركا، والنظام السوري وحلفاؤه من بعض العرب وإيران سلّموا أنفسهم لروسيا، علماً أنّ أميركا وروسيا يمثلان دور الصديق الحميم لحلفائهم، ويَعِدُونهم ويُمنونّهم، ومن خلال وسائل الإعلام، أوهموا العرب أنّ روسيا وأميركا بينهم الكثير من العداوة في الملف السوري.
لا أحد يعلم على ماذا اتفق لافروف وكيري، فأهل القضية خارج الحلبة، والكل يتكهّن بهذا اللغز، حتى أنّ الأوربيين عبروا عن سخطهم من هذا اللغز على لسان وزير خارجية فرنسا، لكنّ الولايات المتحدة رفضت الكشف عن بنود الاتفاق، وأفشلت جلسة مجلس الأمن بسبب رفضها البوحَ ببنود هذا الاتفاق السّرّي.
وكانت روسيا تطلب من أميركا البوح بهذا السّر، لكنها أصرّت، وتصرّ على ذلك اللغز، وقد يظنّ بعضُ الناس أنّ روسيا صادقة في طلبها الإفصاح عن الاتفاق، لكنّ الحقيقة غير ذلك، فلافروف وكيري لا يريدان الإفصاح عنها، لكنّه تبادل الأدوار بين اللاعبين.
مضمون الاتفاقية لو كان خيراً للثورة السورية والمنطقة العربية، لما أصبح الاتفاق لغزاً على السوريين والعرب وحتى أكثر الأوربيين، فمن لا يقرأ التاريخ أعمى، فقوانين التاريخ، تقول لنا: إنّ سايكس بيكو جديدة قادمة للمنطقة باسم جديد.
من يراقب الأحداث في الثورة السورية يجد بكلّ بساطة أنّ هناك اتفاقاً ضمنياً بين روسيا والولايات المتحدة على ما يجري في سورية، ويدرك أنّ الطرفين متفقان على تدمير سورية وخرابها، فممنوع على المعارضة السورية أن تحقّق النصر الحاسم على النظام السوري، بالتالي، يكون تسليحها بقدر الخطة المرسومة مسبقاً، فعندما تتقدّم المعارضة كثيراً، يُقطع عنها السلاح، وعندما تتقهقر يأتي السلاح بكميات كبيرة، وعندما هزمت المعارضةُ جيشَ النظام مع الإيرانيين وحلفائهم، وبدأت تحقق انتصاراتٍ كبيرة، تدخلت روسيا بثقلها الكبير لتنشئ التوازن، وما كان هذا التدخل ليحدث لولا الرضا الأميركي.
معلوم لدى العالم كلّه أنّ المضادّات الجوية ممنوعة على المعارضة السورية، وبقرار أميركي، ولو أرادت أميركا أن تزوّدهم بالمضادات، فهي لا تخشى روسيا أو غيرها، ففي حرب أفغانستان زوّدتهم بمضادات للطيران ضدّ روسيا، وانهزم الاتحاد السوفييتي.
وفي الوقت نفسه، ممنوع على النظام أن ينتصر على المعارضة ويسحقها؛ بل يدرك المتتبع لواقع الأحداث بيسر أنّ هناك مناطق أخذها النظام بصمت دولي، باتت تعرف باسم "سورية المفيدة"، وإنّ أي تقدّم للمعارضة السورية على هذه المناطق يواجه بخذلان لها.
من هنا، نجد أنّ سياسات التجويع والتركيع التي يمارسها النظام على مئات الآلاف من المدنيين لا تقابل عالمياً إلا بالكلام، من دون ممارسة أيّ ضغط حقيقي على النظام؛ ما يؤكد أنّ روسيا وأميركا على تنسيق وتعاون مسبق عما يجري وسيجري في سورية والمنطقة العربية.
والآن يأتي سؤال مهم: ما الهدف من التنسيق والتعاون الأميركي والروسي في سورية؟
الهدف الأكبر هو الوصول بسورية إلى ما تسمّى "الدولة الرَّخْوَة"، أي الوصول بها إلى مستوى خطير من الانهيار، وعلى مختلف النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعرقية والطائفية، والهدف من الوصول إلى "الدولة الرخوة"، أن يتم ضمان وجود إسرائيل عقوداً طويلة، وأن يصل الشعب السوري إلى مرحلة اليأس والضياع والدمار؛ لكي يقبل بأي حلّ، وأن تكون سورية درساً مخيفاً لكل شعب عربي يفكر بالخلاص من حكامه المستبدين، وبالتالي، يجب أن تندم الشعوبُ العربيةُ على تلك اللحظة التي فكّرت فيها في قيام الثورات، وتبقى دوماً تُسبّح بحمد حكامها المستبدّين المدعومين من الشرق والغرب.
يُخطئ من يظن أنّ روسيا وأميركا يلعبان لعبة "كسر العظم" في سورية؛ بل هما، ومنذ بداية الثورة السورية، يُنسقان ويتعاونان، وهما أوصلا الدولة السورية إلى "الدولة الرخوة"، واتفاقية لافروف كيري من نتائج التعاون والتنسيق بينهما.
يُخطئ من يثق بالدول العظمى التي تحاول حلّ مشكلات الشعوب، فهذه الدول لا تحلّ المشكلات؛ بل تتقاسم مصالحها في أيّة منطقة، وعلى حساب شعوبها، وإذا كان هناك ثمة خلاف بين أميركا وروسيا في سورية، فهو على مقدار الحصّة، وليس خلافاً من أجل مصالح السوريين، ومن لا يعي ذلك فإنّه مازال يعيش في سراديب سايكس بيكو، فهل يستيقظ السوريون والعرب، قبل أن تأتيهم نيران اتفاقية لافروف كيري الجديدة؟
2FF0A4CE-4561-41B5-AEA6-F771D5A9C794
أحمد إسماعيل الراغب (سورية)