ساعات أبوكاليبسية

26 ابريل 2020
الصورة
("إنهم دائماً يظهرون"، إبراهيم الصلحي، 1964)

تقف هذه الزاوية مع الكتّاب العرب في يومياتهم أثناء فترة الوباء، وما يودّون مشاركته مع القرّاء في زمن العزلة الإجبارية.


في ظل مشهدٍ يوميٍّ مُرعِب، مسرَّب من يوميات أبوكاليبسية، لا نستفيق فيه إلّا على أخبار الموت وتزايُد أرقام الموتى وأعداد المصابين، لا يدور بخلد المرء غيرُ سؤالٍ واحد: كم سيعيش؟ كم بقي من عمره؟ يسأل نفسه إذا افترض أنَّ نهاية العالم ليست مع هذه الجائحة وأنّه سيكون من الناجين. يُخيّم السؤال على الأذهان ويقلق النفوس ونحن نعيش أخبار الموت ورائحته وأرقامه التي تحصد الأرواح بالآلاف.

أنت رقمٌ محتمل من بين الأرقام المقدَّمة أو التي ستُقدَّم لاحقاً. تزيد من حدّة السؤال والانهماك به ما تبثّه الأخبار في كل مكان (مكانك إن لم يكن من بين الأمكنة المصابة فلا يعني هذا أنه سيظل كذلك بما أن الوباء مستمرٌّ في الانتشار) وتُضاعِف من توتره التحذيرات التي تُسمَع في كل حين (وكأنك إن لم تمتثل لتلك التعليمات وتلتزم بها فأنت في عين الإعصار).

إن ما يزيد من شدّة تخوّفنا وعينا بالتناهي الذي نسير إليه بخطى ثابتة. فكلنا ندرك تناهينا في الزمن وحتمية موتنا. فهل فكّرت يوما (أقصد في هذه الأيام بالذات ونحن نعيش وباء عالمياً، ألا يلّح عليك هذا السؤال إلى حد القلق) كم ستعيش؟

مثل هذا السؤال لا يراد بعد الجواب عنه سوى التنبؤ كما هو رائج عالمياً. والتنبؤ هنا ليس علماً بالغيب أو تدخلاً ومزاحمة للشأن الإلهي (صراع الطب مع القدر) إنما هو على شاكلة التنبؤ بالأرصاد الجوية، فالتوقعات تُبنى على أساس معطيات تتحدد وفقاً لها حالة الجو المقبلة تصل إلى درجة دقيقة في التنبؤ كلما كانت البيانات والمعطيات صحيحة (درجة الحرارة، الرطوبة، شدة الرياح واتجاهها، الضغط الجوي، إلى غير ذلك من المعطيات التي تراجع عدة مرات في اليوم).

قد ينطبق هذا على حالة عمر الإنسان الذي لا يعني سوى صحته في الزمن. ألا يفعل الطب الشيء نفسه كي يخبر المرء عند الفحص عن وضعيته الصحية؛ وما ستؤول إليه بعد تحليل مختلف البيانات وتقييمها ضمن حوصلة نهائية، يتمكّن معها الطبيب من التنبؤ بكم سيعيش المريض، خاصة في حالة الإصابة بأمراض خبيثة وخطيرة كالسرطان، وهو يعلم أنه في مرحلته النهائية.

ثم إننا نعتقد جازمين بأن الطب المعاصر يمدّد حياة الإنسان ويطيل عمره بفضل منجزاته وتقنياته في الإبقاء عليه حيا، ولا سيما أن الأجهزة المخترعة باتت تعوض أعضاءه الحيوية وتبقيه على قيد الحياة (وإن كانت حياة نباتية مثلما يقال بلغة طبية) إن توقفت هذه الأخيرة (التنفس، القلب، الكلى، الكبد).

بناء أيضاً على متوسط العمر الذي بات معروفاً في زماننا وقد تحدّد طبياً للنساء والرجال (بين 75 للرجال و85 للنساء) وبناء كذلك على مستوى المعيشة الذي يكون للفرد وقدرته على تغطية صحية شاملة وجيدة وشعوره بمدى مقاومته لضغوطات الحياة المادية والنفسية التي يتعرّض لها.

هذه المعطيات وأخرى بالتأكيد ـ خفية أو بادية ـ لا سيما ونحن نعيش على وقع الموت وألفته بحيث لا صوت يعلو على الإخبار بالموت المكثف مع وباء فيروس كورونا. الشيء الذي يجدّد فينا السؤال حول موتنا:

ألا تكفي الواحد منا كي يتنبّأ بكم سنة سيعيشها وكم بقي له من عمره؟ إذا انقضى من عمرك ربع قرن أو أقله أو ضعفه فكم بقي لك؟ هل سنقف يوماً ما على معرفة بأعمارنا تكون ملصقة ببطاقاتنا منذ يوم الولادة إلى الوفاة كما يكون ذلك في أجهزة نقتنيها ونعرف مدة بقائها واستعمالها، أم أن هذا مجرّد محض خيال؟ آمل أن نعيش لحد هذه اللحظة التي تُصدّق فيها هذه الفكرة أو تُكذّب، فإن صدقت نكون قد ولجنا عصر ما بعد الإنسانية ومنجزاتها، وإن كذبت سوف لن نعتبرها إخفاقاً آخر من إخفاقات الطب.


* باحث وأكاديمي من الجزائر، من مؤلّفاته: "فلسفة الخبرة عند جون ديوي" (2003)، و"ما بعد الفلسفة: مطارحات رورتية" (2009)، و"هابرماس والسوسيولوجيا" (2012).