سارق ومبهرر

11 سبتمبر 2020
الصورة

في اليمن الذي "يتلبنن" (نسبة إلى لبنان) يوماً بعد الآخر، معيداً تجربة هذا البلد بمختلف مساوئها، هناك مثل شعبي يختصر كل الحكاية. يقول أهله عمَنْ يسرق بوقاحة معتمداً على جبروته أنه "سارق ومبهرر". وهكذا حال المسؤولين في لبنان يسرقون حتى المساعدات بلا أي خجل.
لولا الحملة الكبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، لما اكتشف اللبنانيون أن الشاي الذي قدّمته سريلانكا هبة عقب انفجار مرفأ بيروت تسلل إلى منازل عناصر الحرس الجمهوري، والسمك الذي تبرعت به موريتانيا، وكان الجميع يبحث عنه، فجأة تم توزيعه بعد شهر على "جمعيات" لطبخه. تُشكر الدولتان على مساهمتهما حتى لو بكيلو واحد لا بطن أو عشرة أطنان. على الأقل اختارتا أن تظهرا التضامن مع أهالي بيروت بعد مصيبتهم، بحسب قدرتهما. أما السلطة فكان ردّها نهب ما تقدّم. نعم، يحق للبنانيين أن يسألوا لماذا لم توزّع هذه المساعدات على الذين هم في أشد حاجة إليها، سواء ضمن المناطق المنكوبة أو خارجها. يحقّ لهم أن يبحثوا عن أطنان الزجاج التي تبرّعت بها مصر، ومنازلهم مشرعة تحتاج إلى إصلاح. يحقّ لهم أن يعترضوا ويغضبوا من رئيسٍ اختار أن يوزع هبةً مقدّمة، في لحظة فاجعة وطنية، إلى حاشيته، لا إلى شعبه، ثم أوكل إلى دائرته الالتفاف على الحقيقة بتبريراتٍ واهية. هل هناك من في السلطة من كان سيجرؤ على الفعل نفسه في ما يتعلق بمساعدات أميركية أو فرنسية؟ الجواب بالتأكيد هو النفي. هذه السلطة أجبن من أن تفعل ذلك مع من كان قادراً على رفع العصا بوجهها، وفرض وصايته وإملاءاته عليها، لكنها لا ترى حرجاً في فعل ذلك مع دول أخرى.
وإذا كان للمأساة اللبنانية، عقب انفجار مرفأ بيروت، بفصولها التي لا تنتهي، جزء مثير للأسى، إذ لا تزال آلاف العائلات عاجزة عن لملمة جراحها وإصلاح الأضرار في منازلها، فإن الجزء الآخر من المأساة لا يستدعي سوى الغضب، وحتى الحقد. لا يستحي من هم في السلطة اليوم، بمختلف مستوياتهم، ليس فقط بمشاهدة معاناة الناس بل بمفاقمتها. وبعد أن تدفقت المساعدات على لبنان على نحو غير مسبوق، كان هناك من لا يخجل من سرقتها. 
يختزل ما جرى طبيعة النظام اللبناني القائم منذ ما بعد الحرب الأهلية بجميع خصائصه، وتحديداً بطابعه الزبائني، والحضور المكثف لثنائية الحاشية والشعب. الحاشية يمكنها أكل الأخضر واليابس، بضوء أخضر من الزعيم، مادامت رهن إشارته مهما طلب منها. تزداد هي فقراً وخضوعاً وهو ثراء ونفوذاً. والأهم أن جل ما يقدّمه لها هذا الزعيم أو ذلك ليس من كيسه، بل من جيب الدولة. على مدى العقود الثلاثة الماضية، يمكن ملاحظة ظواهر عدة، لعل أبرزها البطاقات الصحية التي تقدّمها الأحزاب للمحسوبين عليها مقابل اشتراكات شهرية رمزية. أما من يدفع ثمنها الفعلي فهي وزارة الصحة اللبنانية. والأخيرة بالنسبة للأحزاب أهم من الوزارات السيادية، والجميع مستعد من أجل الظفر بها لخوض معارك سياسية، تتكرر مع كل حكومة جديدة، شأنها في ذلك شأن باقي الوزارات الخدماتية. يُسخّر السياسيون الدولة لتنفيع مناصريهم، لمراكمة الولاءات وللإخضاع. باسم الزعيم يتم إدخال المريض إلى المستشفى على نفقة وزارة الصحة، وباسمه أيضاً يحصل المناصر على رخصة البناء أو الزفت لتعبيد الطريق أمام منزله. أما من يختار التغريد خارج السرب من الشعب فليس له من معين. بل عليه أن يدفع ثمن ذلك. أن يشاهد من هم في دولته يسرقون المساعدات، يوزّعونها على مكاتب الأحزاب، ويجبرونه على التحوّل إلى متسوّل لحقوقه الأساسية.

joumana farhat
جمانة فرحات