سارة وأخواتها والحاضنة الاجتماعية للتنكيل

27 يونيو 2020
الصورة

(معمّر مكي)

كسرَنا انتحار سارة حجازي، الناشطة الحقوقية التي قرّرت أن تنهي معاناتها من عجزها عن تجاوز تجربة التعذيب الجسدي في السجن، وحملات تشويه السمعة والشيطنة في وسائل الإعلام المصرية والإعلام الحديث. كسرَنا الانتحار، لأنه جاء اعترافاً للجلاد في السجن وخارجه بأن القدرة على تجاوز هذا الكم الهائل من القبح والسادية غير ممكن، وأن الحملات الحقوقية لا تنفع أكثر من تسليط الضوء فترة وجيزة على مصير أحد أو إحدى الخارجين عن الطابور.
لم تحكِ سارة تفاصيل التعذيب الذي تعرّضت له، ولو أنها أشارت إلى بعضه في المقالة الأخيرة التي نشرها موقع "مدى مصر" لها. التصاق روايات التعذيب بفصول الربيع العربي أخرج التعذيب من دائرة الممارسة العادية إلى الضوء، حيث بات مسألة يتناولها الإعلام التقليدي، ومنه بعض الإعلام المصري في السنوات الأولى ما بعد ثورة يناير. إلا أن اتساع حجم التعذيب وأشكاله في موجات الربيع المتعثرة أعاد تطبيع التعذيب، ليعود شكلاً اعتيادياً، مع اتساع حجم الانتهاكات وفظاعتها إلى درجة العجز عن مجرّد وصفها بالوحشية. ربما يذكر بعضهم صورة السلفي الشهيرة لمن تعتبر "صحافية" في الإعلام السوري، وهي مبتسمة احتفالاً بـ"النصر" أمام الجثث المتفحمة لمقاتلين، أو ربما مدنيين عاديين قتلتهم قوات النظام السوري في إحدى حملات "التطهير".
وكانت قضية الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني، قد أثارت صدمةً بعدما كشف التقرير الطبي 
لتشريح الجثة عن فظاعة التعذيب الذي تعرّض له الشاب على يد خاطفيه، بعد اختفائه في القاهرة في يناير/ كانون الثاني 2016. قالت والدته إنها لم تتمكّن من التعرّف إلى الجثة لفظاعة التعذيب، لولا شكل أنفه. وكان تقرير المدعي العام الإيطالي قد كشف أن الشاب تعرّض لأشكال ومراحل متعددة من التعذيب، منه باللكمات والضرب بالعصي، إلى أن حصلت الوفاة نتيجة كسر في الرقبة. ذكرت فظاعة معلومات التقرير، في حديث لصديقةٍ مصرية، لتعلق الأخيرة: المصريون قد ينالون هذا التعذيب أو أكثر، إلا أن جلدتنا سميكة، وغالباً ما ننجو من الموت. إلى هذا الحد بات التعذيب في المخافر والسجون أمراً عادياً بالنسبة للمصري، وربما للعربي عموماً.
ليس تعذيب سارة حجازي أمراً خارجاً عن المعتاد. في السجون المصرية والعربية أمثلة يومية مفزعة، لم نكن لنعرف بها من دون وسائط التواصل الاجتماعي، والتي باتت مجالاً للتنصّت على الناشطين والأصوات الناقدة والتنكيل بهم، إلا أن لهذا التطبيع مع سادية التعذيب حاضنة اجتماعية واسعة، تبرّر معاقبة المختلفين سياسياً أو اجتماعياً أو "أخلاقياً". في واقعة حفلة الرينبو لفرقة مشروع ليلى عام 2017، والتي اعتقلت على أثرها سارة حجازي وزميلها أحمد علاء، إلى جانب عدد من المشاركين بتهمة الحضّ على "ممارسة الأعمال المنافية للآداب"، و"ترويج الشذوذ الجنسي"، و"التحريض على الفسق والفجور"، في تلك الواقعة، انفجرت صفحات فيسبوك تحريضاً على الحفل بمنظميه والمشاركين فيه، وتشجيعاً على التنكيل بهم، ممن يعتبرون أنفسهم من مؤيدي ثورة يناير ضد النظام السابق. عمليات الوصم الأخلاقي والتشهير على وسائل التواصل الاجتماعي، وغالبية الإعلام التقليدي المصري، تباينت بين الهزء ممن يسمّون "الشواذ" إلى التهويل بانعكاسات حفلٍ كهذا على سمعة البلاد وعلى أخلاق الشباب والتبرؤ من علاقة الحفل بثورة يناير، وتحويل المناسبة من مجرد حفل رفع فيه بعضهم علم قوس قزح إلى حدث جلل، هزّ المجتمع المصري، كما حمل عنوان مقالة في "الأهرام" "راية الشذوذ .. وتجريف الشباب"، في حين رسم آخرون معالم مؤامرة على مصر تديرها منظمات دولية، كما ذكر تقرير لموقع "مدى مصر" رصد ردة فعل الإعلام المصري على ذلك الحفل. لم يمنع الانتحار حملات التشويه من الاستمرار إلى حد انتقاد الصلاة والترحم على روح سارة.
ليس التشهير الأخلاقي عبر الحاضنة الاجتماعية ضد "الآخر" المختلف حكراً على مصر. تتعايش الغالبية العظمى من الناشطين والناشطات في العالم العربي مع حملات التشهير التي قد تنتهي بالسجن والتعذيب أو الهجرة أو الانهيار. عشرات المقالات تنشرها مواقع تشهيرية أنشئت لغرض التنكيل الأخلاقي بمن يفترض إسكاته. إلصاق تهم مثل العمالة أو الإلحاد أو "الشذوذ" أو الخيانة ليست مجرّد كلمات مزعجة، إذ غالباً ما تستخدم لإثارة الحاضنة الاجتماعية لتقمع الخارج عن القطيع معنوياً، أو حتى جسدياً، أو إعطاء مشروعية شعبية للتنكيل به أو بها. في حين تغدق المعارضة السياسية مشروعية معنوية على صاحبها في بعض الحالات يسهم التشهير الأخلاقي في عزل الضحايا، خصوصاً من النساء والأقليات، ومنها الأقليات الجنسية.
في حين أكتب هذه الكلمات، يعلن موقع المنصة المصري عن اعتقال رئيسة التحرير، نورا 
يونس، (الموقع محجوب لكنه يواصل تقديم المحتوى)، بحجة مخالفة التصريح، على الرغم من أنها تقدمت بطلب لدى السلطات المعنية. وفي مصر أيضاً، تخطف سيارة مكروباص الناشطة الحقوقية وسجينة الرأي السابقة، سناء سيف، بعد سلسلة مضايقات تعرّضت لها عائلتها، وصولاً إلى الضرب والسحل على يد مرتزقة، وتوجه لها تهم "نشر أخبار كاذبة" و"التحريض على الجرائم الإرهابية"، و"إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي"، لنشرها معلوماتٍ عن وضع ضحايا فيروس كورونا. وفي المغرب، اعتقلت الصحافية هاجر الريسوني، وحكم عليها بالسجن ست سنوات، بتهمة "إقامة علاقة جنسية خارج الزواج والخضوع لإجهاض سرّي"، إلى أن حصلت على عفو ملكي بعد حملة تضامن دولية. وفي لبنان، لا يزال مصير الناشطة كيندا الخطيب مجهولاً، بعدما توقيفها بتهمة العمالة لإسرائيل، في ما يبدو تكراراً لواقعة اعتقال الممثل زياد عيتاني، في حملة مفبركة اتهمته بالعمالة وساهم فيها بعض الإعلام اللبناني ومواقع التواصل تشهيراً. وفي المغرب أيضاً، يتم استدعاء الناشط والصحافي عمر راضي بتهمة التجسّس لحساب استخبارات أجنبية كما أعلن في تغريدة. وكان راضي قد انتقد الأحكام القاسية التي أصدرها قاضٍ في قضية ناشطي حراك الريف، وحُكم فيها على الغالبية العظمى منهم بالسجن عشرين سنة. وبات راضي صوتاً ناقداً عالياً، في الآونة الأخيرة، في ملفات التضييق على حقوق الإنسان في المملكة.
سوف نستمر في استنكار التنكيل بين حالة وأخرى في العالم العربي، الغارق في موجات حراك جديدة، تقابلها ثورات مضادّة مستشرسة. قد يقاوم بعض من المنكّل بهم، وينهار آخرون. قد تنفع حملات الضغط في تحسين أوضاع بعضهم، في حين تتسع السجون لعشرات آخرين. ما دامت الحاضنة الاجتماعية تحرّض، وتصفق للتنكيل، وأحياناً تتولّى تنفيذه، من دون حاجة لتدخل أجهزة القمع، علينا أن ننتظر ربيعاً آخر لمراجعة علاقتنا مع "الآخر".