ساحة الحطب

09 اغسطس 2016
الصورة
لوحة للفنان جيل مايير (Getty)
+ الخط -
-1-

لم يعد بالإمكان الوصول إليها، بعدما أمست أرضها ساحة صراع حربي. أغلق مدخلها الغربي بستارة طويلة، بغاية حجب الرؤية عن أعين القناصين ومناظيرهم، تنسدل من أعالي عمارة تتوسط الشارع المؤدي إليها، لتلامس إسفلت الطريق، بينما تغلق مداخلها الأخرى، الحواجز العسكرية ومتاريس أكياس الرمل، والأبنية المفخخة بالألغام والقناصة.
وكان بالإمكان أن تصلها من طرقات عدة لأنها مفتوحة على الأمكنة كلها.

من الجنوب، من الطرقات والأزقة الآتية من جادة الخندق، والسبع بحرات وباب النصر...حيث المدخل الإجباري من انعطافة "عوجة الكيالي" لملاقاة مدرسة "النشء الجديد" والعديد من المصانع الصغيرة التي تنتج حلويات "جوز الهند" و"كعك اللوز" و"المارينغا"، وباعة لوحات "الكانافا" وأغطية الطاولات. بصعود إلى سوق الصاغة، أو انعطافة شرقية إلى حمام الوالي "بهرام باشا"، الذي تعقبه حوانيت باعة البيض والدجاج الهاجع في أقفاصه والأرانب اللاهية في أقفاصها وجزارو الأغنام والعجول.

من الشرق، من أزقة التدريبة والهزازة وزقاق الأربعين، تتعاقب ورشات صناعة الأحذية والحوانيت التي تبيع لوازم المهنة، ولا بد من تلافي الازدحام في الزقاق الذي يطل عليه "الحاج عبدو الفوال".
من الغرب، من شارع التلل مروراً بساحة المطران جرمانوس فرحات، والكاتدرائيتين المارونية والكاثوليكية، سوق الصاغة وباعة الحقائب النسائية.

من الشمال، من حي العزيزية وبوابة الخل، فرن بولص للمعجنات، ومدرسة القلبين الأقدسين وسلسلة من حوانيت باعة أقمشة لا يزالون يعرضون نسيج "البروكار" و"الأورغانزا" مكيلين المدائح لهما، وحوانيت العطارة وباعة الألبان والزيتون.
ليست ساحة مثل الساحات الواسعة التي يمكن مصادفتها في المدن الأوروبية، التي تأسست على تنظيم وتخطيط مديني حاذق، عمل على المباعدة بين المساكن، وتوسع الطرقات، وتقطيع الأماكن بجزر من غابات السرو والصنوبر والكستناء، وتزيينها بأحواض مسطحة من المياه والنوافير، وفصل الأماكن الصناعية عن أماكن السكن.

بخجل وارتياب توسعت المدينة، في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بدده اندفاعٌ طموحٌ لمبادرات تفرد بها بعض الولاة العثمانيين الأشد جرأة وتبصر بعدما تبينوا عجز الحيز المديني القديم، عن استيعاب النمو السكاني، والتوسع المطرد في الحرف، بعد زيادة الطلب على البضائع المتقنة، التي أجادها حرفيو المدينة، كما الوافدين بخبراتهم ومهارتهم للعمل في قيسارتها وخاناتها. عبر هذا التوسع عن الاستقرار الذي حصلت عليه المدينة في القرن الأول والنصف من القرن الثاني من الحكم العثماني، الذي نقلها من مدينة تقف على حدود الصراعات الحربية لتحرس أعماق بلاد الشام، إلى مدينة داخلية تستحوذ على مجال حيوي جغرافي - بشري واسع وآمن.

تتلاصق فيها الأماكن والمساكن، تكاد لا تميز واحد عن الآخر إلا من بوابته. تعجز عن معرفة لمن تتبع النوافذ والمشربيات، وأصص الزهور المنسدلة من حواف النوافذ. بيوت واسعة ومترفة أو ضيقة وفقيرة. تحقق انفتاحًا على الداخل وانغلاقًا صارمًا على الخارج. وتبقي للمارة أزقة مستقيمة حينًا متعرجة أحيانًا، تأخذهم إلى أماكن عملهم في مشاغل القيساريات والخانات والمدابغ.

حفرت الساحة في أواخر الستينات من القرن الماضي لبناء ملجأ للأهالي استعداداً لحروب موعودة، وتحسباً من عدوان على المدينة. أهيل فوقه التراب، وزرع بأعشاب ونباتات متنوعة، وطوق بسور ذي أسلاك معدنية شائكة، بغاية التمويه على العدو، فتموه مع مرور الزمن السلمي الطويل، وتوافد أجيال جديدة من السكان، على العدو والصديق.

يتوزع على أطرافها باعة الخضار والفاكهة، قليلهم على عربات متحركة وأغلبهم حصلوا على حوانيت لا تزال صامدة من عصر الوالي العثماني "مصطفى أبشير باشا". وبسكاكينهم يكشط السماكون حراشف الشبوط المجلل برائحة الفرات، وبأعزاق الفجل الخضراء يزدري الأرانبيون أرانبهم المطوقة بالأقفاص. ويحجب الدجاجيون الطعام عن دجاجهم المعد للذبح. كل ما هو حي من هذي الكائنات، الرازحة في أقفاصها سيذبح، وكل ماهو ذبيح، سيعلق بكلّابات الحديد، لتقطع أضلاعه بالسواطير، وسيفصل لحمه عن عظمه بالسكاكين الرفيعة الحادة.

وهناك عبور إجباري من أمام باعة الحلي الفضية ومشغولات الخلائط المعدنية، ومعارض الشرقيات والنراجيل والنحاسيات، كما من المطاعم الصغيرة التي انتشرت في الأزقة المؤدية إليها، وما زال بعضها يحافظ على أسماء أصحاب البيوت القدامى. من باب تعليق المستثمرين الجدد، استثماراتهم على مشجب العراقة "سيسي" "وكيل" "زمريا" "باسيل". لكننا لم نعد نرى الآن، هذا الذي يجري الحديث عنه، أهو انحسار في البصر، أم غياب الأمكنة عن هذا المكان؟ وكأنها حكايات عن أمكنة لم يبق منها إلا الكلام ومصنفات من الصور مجمدة بثلوج بهجة عتيقة.

-2-

ساحة الحطب، فسحة في الضاحية التي تقع في شمال، المدينة القديمة المحاطة بالسور، في الحي الذي حمل سمة الحي المسيحي، الذي اشتهر باسم حي "الجديدة"، عُرفت في القرون السالفة كمكان يجاور عرصة لبيع الحبوب قبل أن تتحول إلى مكان لبيع الحطب والفحم..

يطل من شرقها جامع "شرف"، الذي بني مع سبيل المياه الملاصق له، في عهد السلطان قانصوه الغوري آخر سلاطين المماليك الذي قتل في معركة مرج دابق شمال مدينة حلب 1516، التي كانت تتويجاً للتفوق الحربي للجيوش العثمانية بقيادة سليم الأول، ومدخلاً لسقوط معظم البلاد العربية تحت سيطرتها. ومن طرفها الغربي قيسارية الجلبي وقصري عائلتي "غزالة" و"آجقباش".

ومن الجهة الجنوبية مباني وقفية أبشير مصطفى باشا، الوالي العثماني، الذي عُين في بداية نشاطه حاكماً على دمشق عام 1649، ثم والياً على حلب . قد يساهم زواجه من عائشة أخت السلطان محمد الرابع 1648 - 1654، في تفسير جزئي لحياته السياسية الطموحة التي توجت 1654 بتعيينه كبير الوزراء، ولم يدم الأمر طويلاً حتى وقوعه ضحية لتمرد الانكشارية عام 1655.

درست هذه الوقفية بدقة هندسية، لترفع استثمار العقار الذي لا تتجاوز مساحته 0.6 هكتار إلى التمامية العقلانية، والحساب الاقتصادي الصرف، شملت مسجداً، وخانًا وقيساريات وعشرات الحوانيت، ومصبغة قماش ومعملًا لصنع الحرير والمخمل والأطلس، وفرنًا ومقهى وسبيلاً للمياه.

-3-

في واحدة من النتائج المخزية للصراعات الحربية، أنها تنتهي بتسوية... تستعيد أنماطاً قديمة من المصالحات المحلية التي تبدأ بـ"تبويس الشوارب" و"الزراعة في الذقون" وقد ينتهي بعضها بالمصاهرة بين المتحاربين والاتفاق فيما بينهم، على تلبيس الأسباب والنتائج إلى كائنات خيالية، تبدأ من إبليس واخوته والجان وأبناء عمومتهم، وقد لا تنتهي بسلسلة من الكلمات اللغزية: المؤامرة، المخططات المشبوهة، العملاء. وهذا ما يساهم في إغفال الحقائق والتسكير على الأسئلة من مثل: لماذا حصل ما حصل؟ وألم يكن بالإمكان الحؤول دون وقوعه؟

ما الغاية من تحويل حمام "بهرام باشا" و"جامع شرف" إلى موقع للصراع الحربي؟ وبحفر نفق لتفخيخ وتفجير جامع "أبشير باشا"؟ وتدمير ساحة الحطب والحوانيت التي تسورها والبيوت المجاورة لها؟

لا يعرف العابر من أين أتى النداء: "أتفضل "شعيبية"محشوة بالجوز أم بالقشدة؟"
لكنه عرف من أين أتى الرد عليه: حري، ألا تحرقوا محل الحلويات بعد أن تنهبوه.

حلب تموز 2016

المساهمون