ساحة الثورة في طرابلس: "أثرى زعماء.. أفقر مدينة"

07 نوفمبر 2019
الصورة
الساحة امتلأت بالناس (سام تارلينغ/ Getty)
+ الخط -

لم تعد ساحة عبد الحميد كرامي أو ساحة النور في عاصمة الشمال اللبنانية كما كانت. اكتسبت روحاً جديدة وحلوة وقد عاد إليها ناسها للدفاع عن حقهم في العيش الكريم بعدما أفقرهم زعماؤها 

من ساحاتهم تعرفونهم. لطالما كانت ساحة عبد الحميد كرامي في طرابلس بوّابة المدينة ومرآة لها. على الرغم من التسميات المختلفة التي تعرف بها الساحة، يبقى اسمها الرسمي ساحة عبد الحميد كرامي، نسبة لتمثال وضع فيها يجسّد شخص كرامي بعد وفاته في خمسينيات القرن الماضي، وكان واحداً من رجالات الاستقلال وابن عائلة سياسية كبيرة في طرابلس.

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، اقتلعت عبوة ناسفة تمثال كرامي. كان هذا قبل سيطرة الحركات الإسلامية الأصولية على المدينة. وفي عام 1984، سارعت حركة التوحيد الإسلامية إلى استبدال التمثال بمجسّم لكلمة "الله" وسط الساحة مذيّلاً بعبارة "طرابلس قلعة المسلمين" من جهة، وبالآية القرآنية "الله نور السماوات والأرض" من الجهة الأخرى.

وعلى الرغم من التغيّرات التي شهدتها المدينة، إلا أنّ تسميات هذه الساحة ما زالت جائزة حتى اليوم. لم تستبدل تسمية بأخرى، لذا تسمع البعض يسمّيها باسمها الرسمي، وآخرين يطلقون عليها تسمية "ساحة النور"، "ساحة التمثال"، أو "ساحة الله" ببساطة.

أمّا اليوم، فهي ساحة الثورة وساحة الناس. ما زالت الشوارع المؤدية إليها مقطوعة بالكامل منذ اليوم الأول على انطلاق الانتفاضة في 17 نوفمبر/ تشرين الأول وحتى الساعة. لكنها، وعلى عكس ما يسوّق له معارضو هذه الانتفاضة، ليست مقطوعة أمام الناس. على العكس تماماً، ساهم قطع الطرق هذا في استعادة الناس هذه المساحة الحيوية. تغيرت الساحة، كما تغيرت ملامح الناس فيها. قبل الانتفاضة، كانت الساحة تكتظ بالسيارات والسائقين المتذمّرين متجهّمي الوجوه، الذين يقودون سياراتهم في الفوضى وسط غياب الشارات الضوئية والغضب من سائقي سيارات الأجرة، إذا ما كانوا على عجلة لإيصال راكب، وإذا ما كانوا يتمهّلون في السير بحثاً عن زبون.



لكن الثورة في طرابلس نظّمت الحياة، وخلقت لها إيقاعاً تضبطه الموسيقى والهتافات، لا الأبواق والصراخ. في حركة دائرية أوسع من الدوار نفسه، تحلّق الباعة المتجوّلون واتخذ كل واحد منهم موقعاً له. هل ما زالت تجوز تسميتهم بالباعة المتجوّلين وهم ثابتون في مواقعهم منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة؟ مما لا شكّ فيه أن ساحة النور أصبحت هي المركز، يرتادها الأهالي كل يوم كطقس من طقوس الثورة ويتجمّعون فيها بدلاً من أن يتوزعوا على شوارع المدينة الأربعة الرئيسية. ساحة النور، بوابة المدينة، هي باب رزق الباعة. يبيعون الكعكة الطرابلسية، وغزل البنات، والقهوة والمياه والبوظة حتى، وكأن بيع البوظة في الشتاء فعل ثوريّ بحدّ ذاته.

خلف الباعة، وعلى الرصيف العريض الفاصل بين الشوارع المؤدية إلى الساحة، نُصبت الخيم وأصبحت لطرابلس مساحتها الاجتماعية. لكلّ خيمة اسمها وغايتها. من "مدرسة المشاغبين" إلى "ساحة ومساحة" مروراً بـ "لِطرابلس"، تهدف هذه الخيم إلى خلق مساحة للنقاش وللحوار في السياسة والاقتصاد والحقوق والإعلام ومواضيع أخرى متعلّقة بالانتفاضة وبوضع البلد الحالي. في الخيم، يواظب أساتذة الجامعات على طرح المواضيع، والإجابة عن أسئلة الناس، والتحلق حول أفكار يتبادلونها في فترة ما بعد الظهر قبل اكتظاظ الساحة. وفي أول ساعات الليل، يحصل أن يتطوّع أحد الصحافيين أو المراسلين الموجودين في الساحة لتغطية الأحداث ويدير جلسة حوار. أمّا الخيمة الأجمل والتي تذكّر بطرابلس "مدينة العلم والعلماء" التي بلغ فيها عدد المساجد والمدارس أيام العثمانيين 360 مسجداً وجامعاً ومدرسة على عدد أيام السنة، فهي خيمة القراءة التي كُتب على مدخلها "شعب يقرأ، شعب لا يُستَعبَد"، حيث قراءة الكتب والجرائد متاحة للجميع. وللنساء أيضاً منصّتهن التي سمّيت بـ"نساء الثورة". لكن هذه الخيمة تكون، في معظم الأحيان، فارغة لا يقف تحتها أحد. وذلك لأن النساء في كل مكان، في الخيم وفي الساحة، على المنصة في مبنى غندور، وفي المستشفى الميداني وحارسات مع "حرّاس المدينة".

"لا قيادة للثورة، الشعب يطالب ولا يفاوض" (سام تارلينغ/ getty) 


والنساء أيضاً في طليعة المسيرة التي أصبحت طقساً يومياً من طقوس الثورة، تخرج كل يوم نحو الساعة الرابعة بعد الظهر من الساحة وتجوب الشوارع المتفرّعة منها. هذه المسيرة أصبحت أيضاً ضابطة لإيقاع الثورة، تذكّر بمبادئ الثورة وتعيد تأكيد المؤكد: "لا قيادة للثورة، الشعب يطالب ولا يفاوض". هذا ما كتب على اللافتة الكبرى التي يحملها متظاهرون يتصدّرون المسيرة، وخلفهم حشد كبير من المشاركين يرفعون لافتات كتبت عليها كلمة "الزعيم" باللون الأسود ومشطوبة بخط أحمر عريض، أو "أثرى زعماء، أفقر مدينة". هذا الشعار المرفوع خلال المسيرة لا ينفكّ الطرابلسيون يكررونه منذ اليوم الأول: "طرابلس ليست فقيرة، بل زعماؤها وهم أثرى أثرياء لبنان وربما العالم العربي، أفقروها وأفقرونا معها". من هذا المنطلق، كانت للمصارف التي لا يقل عددها في الساحة وحدها عن الستة حصتها من تعبير الأهالي عن غضبهم، فعلّقوا لافتات فوق لافتات المصارف نفسها، كتب عليها: "طرابلس تصوّب البوصلة: يسقط حكم المصرف".



هذا الغضب العارم والنقمة التي أشعلت الثورة هما الطاقة التي يختزنها اللبنانيون منذ أكثر من ثلاثين عاماً، والتي أطلقوها في الشوارع والساحات. في طرابلس تحديداً، كانت غالبية الوجوه في الشوارع حزينة ومتعبة إنما جاهزة لردّ السلام على كل من يلقي التحية عليها. لذلك، قررت رينا حلاب، ابنة طرابلس المقيمة في كندا، أن تعطي دروساً في اليوغا والتأمل في ساحة النور منذ انطلاق الانتفاضة. تقول إنها تسعى من خلال الحصص المجانية إلى مساعدة الناس على التنفس والهدوء. فممارسة اليوغا لا تدخل غالباً في ثقافة الطرابلسيين، كما هو الحال في بيروت مثلاً، لكن الناس الذين لا يعرفون ما هي اليوغا ينضمون إلى التمرين. وهذه أيضاً فسحة للحوار والتعرف إلى الآخرين. تعطي رينا المثل التالي: "قال لي أحدهم إنه لن يشارك يوم الجمعة في التمرين لأنه لا يعتقد أن اليوغا تجوز يوم الصلاة". تضيف: "كانت هذه فرصة لنتحدّث، لأشرح له أننا لا نقوم بأي عمل خاطئ بل نحاول أن نتنفس بهدوء". وهذا تماماً ما تحتاج إليه طرابلس، أن تتنفس بعمق.