سؤال "الدولة الواحدة".. عزمي بشارة يجيب

28 يوليو 2020
الصورة
+ الخط -

أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ربيع العام الجاري، مطالعة قيّمة للدكتور عزمي بشارة، "صفقة نتنياهو ـ ترامب، الطريق الى النص ومنه إلى الإجابة عن سؤال ما العمل؟" (160 صفحة). وكنت، بين كثيرين، ممن قاموا بمراجعةٍ لهذا الإصدار. وعلى ضوء النقاش الدائر حول موضوعة حل الدولة الواحدة أم حل الدولتين، أجد الفرصة للعودة إلى طروحات بشارة الخاصة بسؤال: ما العمل؟ لسببين: أن الكاتب تصدّى مبكراً لتقديم إجابةٍ أحسب أنها تؤسّس لحوار في العمق، تفتحه واسعاً وتثريه بقوة، في هذه المسألة الخلافية، وأن صاحب هذا الطرح ذو تجربة خاصة اكتسبها في ميدان العمل السياسي عن قرب قريب، وانغمس فيها، الأمر الذي يضفي على رؤيته ومداخلاته أهمية استثنائية.
والحق أن النقاش حول حل الدولة الواحدة بديلا لحل الدولتين، المتعثر أكثر فأكثر مع مرور الوقت، ليس جديداً ولا طارئاً، فقد كان محل أخذ ورد داخل أوساط النخبة السياسية الفلسطينية منذ أمد، وإنْ بصوت خفيض، إلا أن زيادة المصاعب والمتاعب، وتعمّق حالة الإحباط والاستعصاء، واشتداد مشاعر الخذلان التي تواجه الحركة الوطنية الفلسطينية، سيما بعد الإعلان عن "صفقة القرن"، دفع هذا النقاش إلى السطح، وصار محل سجال أوسع، الأمر الذي يحمل على استحضار نص عزمي بشارة القيّم.
بعد عرضه مقارباتٍ نظرية مختصرة للمراحل التي أوصلت الكفاح الفلسطيني إلى ما وصل إليه اليوم، يضع بشارة مفاتيح في أقفال أبواب مغلقة على أفكارٍ باتت بالية ومتيبسة، يدعو إلى إجراء المراجعات المعمّقة، ويشخّص الموقف السائد بصوتٍ لا تنقصه الجرأة، ومن ذلك قوله إن الوقت الراهن ليس وقت اقتراح حلول، وإنما وقت صياغة استراتيجية تحرير وتحديد أهداف واقعية، وهذه هي المرحلة المناسبة لوضع خطاب ديمقراطي متماثل مع مفردات التيار الديمقراطي العالمي المناهض للأبرتهايد، خطابٍ قوامه العدالة والحقوق المدنية والمساواة.
يصارحنا بشارة، وربما يصدم كثيرين بيننا، بقوله إن الواقع الذي ألفناه قد تغير، وأن إسرائيل لا يمكن الانتصار عليها بالقوة العسكرية، وأن عدونا هو التمييز العنصري، والعودة إلى الاستراتيجيات القديمة أمر غير ممكن، بما في ذلك الكفاح المسلح الذي لا يقدم بديلاً ولا يحل مشكلة (مقاومة غزة آلت إلى حالة دفاعية ذات أهداف مطلبية) وإن تفكيك البنية الصهيونية يتطلب انخراط أغلبية اليهود في هذه العملية النضالية الشاقة الصبورة الطويلة، وإن لكل تجمع فلسطيني ظروفاً مختلفة ومطالب متفاوتة ووسائل نضال غير متطابقة بالضرورة، فوق أن فلسطين لم تعد القضية الأولى للحكومات والمواطنين في مشرق العالم العربي ومغربه.
وفيما يحذّر بشارة من محاولات إنشاء منظمة تحرير بديلة أو موازية، ناهيك عن حل السلطة (أول التمثلات الكيانية الفلسطينية) وتسليم المفاتيح للاحتلال، كون ذلك قفزةً في الهواء، وعبثا سياسيا شديدا، يمثل عودة يائسة إلى الوراء، وتخليا عن مؤسسات تمثيلية معترف بها، ينبّه بشارة بالمقابل إلى أن البديل هو الفوضى، أمام مجتمع يهودي منظم ودولة قوية متطوّرة، مشدداً على الحاجة الماسّة إلى وجود إدارة ذاتية مركزية معنية بتعزيز مقومات الصمود والتمكين والتشبيك، وتقديم الخدمات التعليمية والصحية والشرطية والبلدية، على أن تكون منظمة التحرير المفعّلة، وليس السلطة هذه، هي القيادة السياسية للشعب الفلسطيني.
وفي ما يتعلق بحل الدولة الواحدة، يرى عزمي بشارة أن هذا الخيار لا يمكن طرحه الآن على طاولة المفاوضات، وهي غير موجودة أساساً، وأن هذا الحل أصعب تحقيقاً وأقل مقبولية من حل الدولتين، كما أن القبول بفحواه ومغزاه يستبطن بالضرورة الموضوعية اعترافاً متبادلاً، وعلى مضض، بقوميتين أصبحتا غير قادرتين، لعوامل قاهرة، على الانفصال في دولتين، وذلك بعد أن فشلتا معاً، كل واحدة إزاء الثانية، في سعيهما المحموم إلى شطب العدو وإلغائه وإنكار التاريخي بقوة الحديد والنار.
وكما يرى بشارة، حل الدولة الواحدة هذا عملية نضالية طويلة المدى، وذات محتوى ديمقراطي، ولا يمكن إقامة دولة لجميع مواطنيها إذا لم تدعم ذلك أغلبية يهودية عربية وازنة، أكرهتها المعطيات الموضوعية على القبول بهذا الحل الإجباري، أي أنه حل لا يُفرض بالقوة أو التهديد باستخدام القوة. وبالتالي لا بد من مخاطبة قطاعات واسعة من الرأي العام الإسرائيلي، والتعاون مع قوى يهودية متبصّرة، ليس على أساس إسقاط حكومة نتنياهو مثلاً، وإنما على قاعدة تحقيق العدالة والمساواة والعيش سوية، من دون نظام تمييز عنصري صهيوني، اختار أن يعيش تحت حد السيف إلى الأبد.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي