زينب أفيلال.. حجرات أندلسية

20 اغسطس 2016
الصورة
(زينب أفيلال)
+ الخط -

منذ خروج العرب من الأندلس، لعبت مدينة تطوان، مثل مدن مغربية أخرى، دوراً بارزاً في استقبال الأندلسيين واستقرار ثقافتهم في البلاد. هكذا، حافظت "المدينة البيضاء" على أشكال ثقافية أندلسية مختلفة؛ من بينها الموسيقى التي ظلّت حاضرةً فيها على مرّ الزمن، وقد كان للمرأة دور كبير في الحفاظ على التراث الموسيقي الأندلسي وصيانته. اليوم، ثمّة أصوات نسوية مغربية تذكّرنا بالموسيقى العربية في الضفّة الأخرى؛ من بينها المطربة زينب أفيلال (1990)، التي تعيد إحياء الصلة بهذا التراث.

في حديثها إلى "العربي الجديد"، تعود أفيلال إلى بداية تكوّن علاقتها بالموسيقى: "كلّ شيء بدأ وأنا صغيرة. كنت في الرابعة، حين أظهرت ولعاً شديداً بالموسيقى وقدرة كبيرة على حفظ المقطوعات التي كانت تستمع إليها العائلة على الراديو أو التلفزيون، وكنت مولعة بإمساك الميكروفون في المناسبات والأفراح". هنا، تستعيد حادثة طريفةً عاشتها وهي طفلة: "في أحد الأعراس، أمسكت ميكرفوناً من دون مقدّمة، وغنّيت أمام المدعويّن ما أثار دهشتهم". تضيف: "لم أكن أهتمّ بمضامين مسلسلات الرسوم المتحركة، بقدر ما أهتمّ بموسيقاها وأغانيها".

ملامح التعلّق بالغناء والموسيقى هذه، جعلت عائلة فيلال ترسلها من طنجة إلى "المعهد الموسيقي" في تطوان. وسرعان ما وقفت الفتاة اليافعة على الخشبة للغناء. وبعد 15 عاماً، صارت الطفلة التي يتذكّرها أهل المدينة مرتديةً فستاناً أبيض وتؤدّي "أغداً ألقاك" لـ أم كلثوم في مسابقةٍ غنائية، لتصير فيما بعد إحدى الفنّانات القليلات المتخصّصات في الموسيقى الأندلسية.

يثير ذلك سؤالاً حول بدايات علاقة الفنّانة المغربية بالموسيقى الأندلسية، وهو ما تُرجعه إلى الصدفة. تتذكّر أنها وزميلاتها، أثناء الدراسة في المعهد الموسيقي، كنّ يزجين ساعات الفراغ بالشغب والتجوال بين حجرات المعهد وأروقته، مسبّبات الإزعاج لبقية زملائهن، ما دفع بمدير المعهد إلى إلحاقهن بدروس الموسيقى الأندلسية للإفادة من ذلك الفراغ. وفي أول درس لها، أثارت الطالبة انتباه مدرّسها محمد الأمين الأكرمي، الذي كان بصدد تلقين فرقته "صنعة" موسيقية أندلسية؛ فخلال استماعها إلى التدريبات، استطاعت في وقت وجيز أن تحفظ ما يتطلّب حفظه من غيرها وقتاً طويلاً. ومنذ تلك اللحظة، التحقت بالفرقة، ثم أصبحت الصوت الرئيسي فيها.

تضيف: "في البداية، كنت أرغب في الغناء وكفى. ومع مرور الوقت، صرت أميل إلى هذا اللون الموسيقي، واستطعت أن أكوّن شخصيتي الموسيقية، وأن ألتزم بهذا الخيار الفني وأتعمّق فيه دراسةً وأداءً، وهذا ما دفعني إلى الاستمرار مع الفرقة نفسها التي بدأت فيها وأنا لا أزال طفلة".

في الفن عموماً، والغناء خصوصاً، يصعب على المرأة أن تفرض نفسها لاعتبارات مجتمعية أساساً، ما دفع بالكثيرات ممّن شاركن أفيلال حلم الغناء إلى التوقّف. تقول: "حين كنت أرى محمد باجبوب، أحد أبرز الأصوات في الموسيقى الأندلسية، وهو يقود فرقة للطرب الأندلسي، كنتُ أحلم بأن أكون النسخة النسائية منه، وهو ما تحقّق اليوم؛ حيثُ أصبحت أتوسّط فرقةً مكوّنةً من الرجال وأغنّي بينهم، رغم أن هذا لا يزال يزعج كثيرين ممّن يعتقدون أن هذا المكان خُلق للرجال فقط".

في وقت تعيش فيه الأغنية المغربية ازدهاراً من خلال موسيقيين شباب استطاعوا إيصالها خارج حدود بلدهم، لا تبدي أفيلال أي ندم على اختيارها مساراً مغايراً جادّاً ونخبوياً لن يحقق لها جماهيرية أغاني "البوب"، عن ذلك توضح أنه نمط من الغناء تجد فيه متعة شخصية ورهاناً خاصاً، أما بالنسبة إلى حالة الازدهار وانتشار فنانين مغاربة في الوطن العربي وأوروبا، فترى: "شيء جميل أن نرى جيل الشباب وقد استطاع الوصول إلى العالم بأفكار جديدة وموسيقى حديثة. لكن هذه الموجة تبقى هزيلة لأنها نقلت لهجة مغربية هجينة لا تعبّر عن الأغنية المغربية وهويتها".

تُبدي أفيلال موقفاً محافظاً من مسألة التجديد في الموسيقى الأندلسية، التي تقول إنها "فن خالص له أصول وقواعد وقوالب ثابتة لا ينبغي تغييرها، أو تقديمها في غير إطارها. لا يمكن أن نجدّد في هذا الفن بما يخالف هذه القواعد. لكن يمكننا أن نقتبس ألحاناً أندلسية وندمجها مع ألوان موسيقية أخرى مثلما فعل الفنّان المغربي الراحل عبد الصادق شقّارة، حين اقتبس ألحاناً أندلسية ودمجها مع الموسيقى الجبلية والفلامينكو، في إطار اجتهاد لا يؤثّر على روح الموسيقى الأندلسية".

ورغم أن أفيلال ظهرت كمطربة في فيلم "أفراح صغيرة" للمخرج الشريف الطريبق، وسبق أن تعاونا في الفيلم القصير "موّال" (2004)، وفي فيلمه الأوّل "زمن الرفاق" (2008)، إلا أن لديها موقفاً أكثر حذراً بخصوص الظهور في فيديو كليب: "إلى الآن، لم أقرّر تصوير أغنية بهذه الطريقة. لست ضدّ الفكرة في حد ذاتها، لكنني ضدّ الابتذال. لذلك، أنتظر تصوّراً يناسب رؤيتي".

توزّع أفيلال وقتها بين دراستها الأكاديمية في مجال الكيمياء واشتغالها الموسيقي. تقول إنها تفضّل أن تسير على مهل وإن أضواء الشهرة لا تستهويها "النجاح الذي يأتي سريعاً يزول بشكل أسرع أيضاً".

كثيرون اكتشفوا المطربة بعد ظهورها في الفيلم الروائي "أفراح صغيرة" الذي أخرجه الشريف الطريبق هذا العام. العمل الذي يتناول عوالم المرأة في تطوان في الخمسينيات، هو التعاون الثالث بينهما؛ إذ سبق أن تعاونا في الفيلم القصير "موّال" (2004)، وفي فيلمه الأوّل "زمن الرفاق" (2008). لكن أفيلال تعتبر أن التجربة الثالثة هي الأهم، لأنها وفّرت لها مساحة مناسبةً لإبراز قدراتها الصوتية.

المساهمون