زيف القانون الدستوري للكولونيالية الإسرائيلية

زيف القانون الدستوري للكولونيالية الإسرائيلية

22 يوليو 2018
+ الخط -
بدستور أو من غير دستور، لا يمكن لإسرائيل، الكيان الكولونيالي بطابعه العنصري الفاقع، أن تتحول إلى كيان شرعي، طبيعي، أو دولة قومية لمواطنيها، إذ لا ترقى عناصرها المكونة إلى سوية شعب موحد وطبيعي، نشأ في أرض واحدة، أو أن اجتماعه البشري يتكتل حول عناصر التبلور القومي، مثل بقية الشعوب والأمم؛ وفي هذه الحالة فالدين (أي دين) لا يمكنه، وليس خليقا بأن يكون البديل لمجموع عناصر التكون القومية، وصولا إلى الدولة/ الأمة؛ فكيف تكون إسرائيل دولة قومية لمواطنيها (مجموع سكانها)، وهي التي أرادت وتريد مؤسستها الكولونيالية الحاكمة من تعريفها كونها "الدولة القومية للشعب اليهودي" أن تتجاوز كثيرا من عقبات وموانع التناقضات ومعوقات استكمال بناها القاصرة عن بلوغ سوية الدولة، واكتمال عناصرها القومية التي ستبقى تجد ذاتها على النقيض من كونها عنصر التوحيد لأشتاتٍ من شعوبٍ لا يجمعها وقد لا يجمعها دين اليهودية غير الموحد أصلا؛ على ما كانه أسباطها في بدايات التأسيس، واستمر أكثر من ثلاثة آلاف عام، تقلب الدين عبرها مع تقلبات المصالح وانقلاباتها، وارتدى براقع عديدة توافقت مع قوى النفوذ الإمبريالية التي كانت سائدةً في العالم القديم، وصولا إلى وقتنا الحاضر.
واليوم حين تقر المؤسسة الكولونيالية الإسرائيلية ما يسمى "قانون القومية"، إنما لتؤكّد مرة جديدة أن الصهيونية هي التجسيد العملي للعنصرية، وقد كانت التمهيد الفعلي للتطهير العرقي الذي قاد إلى النكبة، وإعلان جرائم حرب على كامل الوجود الفلسطيني بكل مكوناته: الشعب، والأرض، واللغة، والهوية، والحقوق التاريخية.
وتأتي هذه الخطوة في وقتٍ تتطابق فيه رؤى اليمين المتطرّف العنصري والشعبوي في 
إسرائيل والولايات المتحدة، ما بات يُخشى معه من تحويل الصراع إلى صراع ديني، تختلط فيه أوراق كثيرة، بينها ما لا علاقة للصراع الحقيقي مع ما يجري من إثارة نزعاتٍ فاشيةٍ جديدة، تنذر بتطهير عرقي أو ديموغرافي ينفذ بالتدريج، ليس في فلسطين فقط، بل وفي دول مجاورة أيضا.
على هذه الخلفية، أقر الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) يوم 19 يوليو/ تموز 2018، بالقراءة النهائية، مشروع قانون ما يسمى "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، بأغلبية 62 نائبا من جميع كتل الائتلاف، ومعارضة 55 نائبا، بينهم 53 نائبا من كتل المعارضة الأربع، ونائبان من الائتلاف، وامتنع عن التصويت نائبان: نائب من الائتلاف، ونائبة من المعارضة. في حين وصفته القائمة العربية المشتركة، في بيان لها، بأنه من أخطر القوانين، وبأنه قانون كولونيالي، عنصري الطابع والمضمون، ويحمل خصائص الأبارتهايد المعروفة.
وكان القانون قد دخل مسار التشريع، بإقراره بالقراءة التمهيدية يوم 10 مايو/ أيار 2017، وسعى في حينه رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إلى الإسراع في تشريعه، إلا أن تعقيداتٍ في النص الأول، من ناحية كتل في الائتلاف، بحسب تيارات دينية، وأخرى سياسية، عرقلت تقدم القانون الذي أقر بالقراءة الأولى، في 30 أبريل/ نيسان 2018. ويومها قال نواب في الائتلاف إن القانون لن يتم التقدم به، بمعنى عدم إقراره نهائيا، في الولاية البرلمانية الحالية. وكان هذا بالأساس من نواب المتدينين المتزمتين (الحريديم)، إلا أن نتنياهو واصل ضغطه، مهدّدا بحل الائتلاف الحاكم، والتوجه إلى انتخابات مبكرة، ونجحت الضغوط بعرض القانون والتصويت عليه بالقراءة النهائية، بعد أن جرت عليه تغييرات عديدة في اللجنة الخاصة، منها ما هدف إلى محاولة التخفيف من الخلافات في صفوف الائتلاف، وتعديلات أخرى، في محاولةٍ للتخفيف من الانتقادات التي وجهت إلى مشروع القانون، حتى من داخل معسكر اليمين المتشدّد، ففي البند الأول عما يسمى "حق تقرير المصير للشعب اليهودي"، تمت إضافة "الديني" إلى جانب الثقافي والتاريخي. وفي البند الثالث عن "العاصمة"، وبعد أن أضيف إلى القدس كلمة "الموحدة" لدى التصويت عليه بالقراءة الأولى، أضيفت لدى القراءة النهائية كلمة "الكاملة" لتصبح "القدس الكاملة والموحدة". وفي البند الرابع في موضوع اللغة، فقد اعترضت أوساط إسرائيلية على قرار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو شطب أي ذكر للغة العربية في القانون، خلافا لما كان حتى التصويت عليه بالقراءة الأولى التي جاء فيها أن للغة العربية "مكانة خاصة تقر بقانون". وقد أعيد البند إلى القانون، ولكن بعد أن تم شطب عبارة "للناطقين بها الحق في التواصل اللغوي مع خدمات الدولة". ولكن في نص القانون النهائي، جاء "أن النص الوارد ليس فيه ما يمس بمكانة اللغة التي كانت عليها حتى عشية سن هذا القانون".
عموما، كل التعديلات التي أجريت على نص القانون، وإذ لم تغير من استهدافاته المتضمنة في نصوصه، أو حتى تلك المضمرة، فهي ما لن تغير إطلاقا في واقع الحال ميدانيا، من الناحية العنصرية في مجال الإسكان، وإقامة البلدات، إذ كان الكنيست كان قد أقر، في العام 2007، قانون "لجان القبول"، وهو يجيز لبلدات يهودية ذات تعداد سكاني بالمئات أن تقيم لجان قبول للبحث في طلبات سكن في هذه البلدات، وأن من "حق" اللجان أن ترفض من لا يلائم طبيعة البلدة من ناحية فكرية وثقافية. ومن المفارقة أن الضحية الأولى لهذا القانون كانت عائلة من اليهود الشرقيين، طلبت السكن في بلدة جنوبية.
وعند ظهور نتيجة التصويت، وقف نواب "القائمة المشتركة" الـ 13 هاتفين "دولة الأبارتهايد"، ومزّقوا نسخ القانون في الهيئة العامة، وتم إخراجهم جميعا من القاعة. بعد ذلك، ذهب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، من على منصة الكنيست، إلى ترديد مزاعمه المتهافتة، كزعمه إن هذه لحظة مؤسِسِة في تاريخ الصهيونية، وتاريخ دولة إسرائيل. فبعد 122 عاما بعد أن نشر هيرتزل حلمه، ثبّتنا بقانون المبدأ الأساس لوجودنا، إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، والتي تحترم حقوق الفرد، لكل مواطنيها (هل يعتبر الفلسطينيون العرب من هؤلاء المواطنين؟). وفي الشرق الأوسط، فقط إسرائيل تحترم هذه الحقوق (وهذا ليس صحيحا).
ليس "قانون القومية" هذا فريدا في سياق إبراز الكولونيالية الإسرائيلية بشكل واضح، فهو مكمل لقوانين شرعها البرلمان (الكنيست) في الآونة الأخيرة، ومنها: القانون الذي يلغي صلاحية "المحكمة العليا" الإسرائيلية في النظر في الالتماسات الفلسطينية، حيث تم تعديل "قانون محاكم الشؤون الإدارية" بطريقةٍ تجعل الالتماسات المقدمة من المستوطنين، وكذلك الفلسطينيين على حد سواء، تصل إلى "المحكمة المركزية" الإسرائيلية في القدس، في خطوةٍ تهدف إلى ضم الضفة الغربية ومواصلة الاستيطان.
وكانت سلطة الاحتلال الكولونيالي قد أقرّت منذ نكبة فلسطين في 1948 عشرات القوانين 
العنصرية، بدءاً بـ "قانون أملاك الغائبين"، مرورا بقانون تشريع الاستيطان ومصادرة الأراضي وممتلكات اللاجئين، وتهويد القدس، وصولا إلى قانون يحرم الفلسطينيين من إحياء ذكرى نكبتهم، وقانون "قسم الولاء لإسرائيل"، وليهودية الدولة لأي شخص يحمل الهوية الإسرائيلية.
وها هي إسرائيل اليوم تتوج قوانينها العنصرية، بـ "قانون القومية" الهادف إلى ترسيخ يهودية الدولة، وإسقاط حق العودة من خلال حرمان ما يقارب ستة ملايين لاجئ فلسطيني من العودة إلى ديارهم التي هجروا منها عام 1948، طبقا للقرار الأممي 194، وتمرير مخططاتها في تهويد القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين، كما وتهويد الجليل والنقب والمثلث وكل الأحياء العربية داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وتفريغها ديموغرافياً من أصحابها الفلسطينيين، واستبدالهم بالمهاجرين اليهود القادمين من شتى أنحاء العالم.
مشكلتنا الأساس مع إسرائيل، كيانا كولونياليا مسنودا من كولونياليات العالم، تكمن على ما يبدو في ذاتنا، وفي وعي مبتسر ومشوه من جانبنا، بات ينحاز إلى رؤية زبائنية للمصالح الشخصية والذاتية، وبما يتجاوز أي رؤية للتاريخ. وبالتالي، فإن انعدام تلك الرؤية كان نتاجا ليس لقصور في الوعي، بقدر ما كان نتاجا لاضمحلاله واقتصاره لجهة الخيارات الممكنة، على نحو ما رأينا في تكتيكات المساومة والتفاوض التي أوصلتنا إلى العدم، فيما العدو يواصل تثبيت وجوده من العدم الذي أولي عنايةً خاصة، وهو ينمو ويتطحلب على سرديات الخرافة التوراتية، وما واكبها من سرديات موازية، منها "الواقعية جدا" إلى حد الاستسلام للأمر الواقع، ومحاولة فرضه فرضا كي تصير فلسطين هي إسرائيل. وهنا هي المفارقة المستحيلة؛ استحالة أن تتخلى الأرض عن هويتها ولغتها وانتمائها.