زيجات هشّة في تونس

03 يناير 2019
الصورة
هل يصمد زواجهما؟ (سيمونا غراناتي/ Getty)
+ الخط -

في بلدان كثيرة، لا سيّما العربيّة منها، يُسجَّل تزايد في نسب الطلاق. الأسباب كثيرة وقد تتشابه في حالات أو أخرى. تونس من تلك البلدان.

لم يمضِ على زواج ليلى سوى عام ونصف العام، غير أنّها تنتظر آخر جلسة للبتّ في قضية الطلاق التي رفعتها منذ بضعة أشهر على زوجها بسبب الخيانة. تخبر ليلى (33 عاماً) "العربي الجديد" أنها "لاحظت تغيّراً في سلوك زوجي ومعاملته لي، وصار ينزوي كثيراً في غرفة ابنتنا الرضيعة ويبقى لساعات متصلاً بالإنترنت. وكلّما دخلت الغرفة فجأة، يرتبك ويشتمني ويصفني بنعوت تتضمّن تحقيراً". تضيف: "تفحّصت في يوم هاتفه، فوجدت مكالمات عدّة على تطبيق فايبر ورسائل غرامية، بينما اكتشفت كذلك شريحة هاتف كان يخفيها عنّي. وعندما واجهته، اعترف لي بأنّه على علاقة بامرأة أخرى منذ سنوات ولا يمكنه التخلّي عنها".

من جهتها، تطلّقت درصاف، وهي أربعينية وأمّ لطفلَين، بعد 15 عاماً من الزواج، والسبب بحسب ما تقول لـ"العربي الجديد" أنّ "زوجي السابق صار يرفض الإنفاق على الأسرة". تضيف: "وهذا ما دفعني إلى رفع قضية إهمال عيال. لكن، على الرغم من صدور أحكام في النفقة والسكن، فإنّ طليقي يماطل كثيراً في تسديد ما عليه".

تفيد آخر الإحصاءات الصادرة عن وزارة العدل التونسية بأنّ ثلاث حالات طلاق تُسجّل في الساعة بالبلاد، أي بمعدّل 41 حالة يومياً و1248 شهرياً. كذلك فإنّ عدد قضايا الطلاق وصل إلى 14 ألفاً و982 قضية في خلال العامَين 2014 و2015. وبحسب تلك الإحصاءات الأخيرة، يأتي "الطلاق إنشاء"، أي الطلاق الذي يكون بمجرّد التعبير عن الرغبة فيه من دون حاجة إلى تقديم الأسباب، في طليعة أنواع الطلاق في تونس، مع 7256 حكماً نهائياً وباتاً. أمّا "الطلاق بالتراضي" فيأتي مع 6241 حكماً نهائياً وباتاً، بينما تسجّل قضايا "الطلاق للضرر" النسبة الأقل مع 1485 حكماً نهائياً باتاً. وبيّنت تلك الإحصاءات كذلك أنّ قضايا الطلاق التي تمّ البتّ فيها بطلب من الزوج بلغت 9165 قضية في مقابل 5817 قضية بطلب من الزوجة، مع فارق 3348 قضية.

المحامي محمد الفقيه متخصص في مثل هذه القضايا، يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "أسباب ارتفاع حالات الطلاق في تونس مختلفة، منها ما هو اجتماعي أو مادي أو نفسي أو جنسي"، مركّزاً على "الخيانة الزوجية والعنف". يضيف أنّ "خروج المرأة للعمل وتحمّلها المسؤولية إلى جانب هامش الحريّة الذي تتمتّع به، كلها تجعلها أكثر استقلالية وإدراكاً لحقوقها مقارنةً بما كانت عليه في السابق". ويرى الفقيه أنّ "انعدام الثقة في الشريك والدور الذي تؤدّيه شبكات التواصل الاجتماعي في البحث عن شريك أفضل أو عن آخر رغبة في التغيير ليس إلا، عاملان ساهما في ارتفاع عدد قضايا الطلاق في تونس، خصوصاً الطلاق إنشاء".

الليلة حفل زفافها... ماذا يخبئ لها الغد؟ (مراد مجايد/ فرانس برس)

ويشدّد الفقيه على العنف ضد المرأة الذي يعدّه من أبرز الأسباب التي تقود إلى الطلاق، "خصوصاً في ظلّ صرامة القانون الجديد الذي دخل حيّز التنفيذ في فبراير/ شباط 2018 المتعلق بالقضاء على أشكال التمييز والعنف ضد المرأة". ويوضح أنّ "المرأة المعنّفة حتى ولو أسقطت التتبعات العدلية ضدّ زوجها، فإنّ القضاء سوف يلاحقه"، مشيراً إلى أنّ "ارتفاع عدد القضايا جعل قضاة جلسات الصلح، وبعضهم من المنتدبين حديثاً، لا يبذلون أيّ جهد كبير بهدف الصلح بين الأزواج بسبب تراكم الملفات وضيق الوقت". ويؤكد الفقيه أنّه "في ظل تراجع دور العائلة الموسّعة في الصلح بين الزوجَين وغياب ثقافة اللجوء إلى المتخصصين في علم النفس أو الشؤون الأسرية، فإنّ محامين كثيرين صاروا يؤدّون دور هؤلاء". ويلفت إلى أنّ "قضايا عدّة تكون أحياناً لخلافات بسيطة وأسباب تافهة، وبالتالي يكون من الممكن تفادي الطلاق من خلال بعض الجهود. لكن للأسف، لا يوجد من يصلح بين الطرفَين".

من جهته، يرى المتخصص في علم الاجتماع، الطيب الطويلي، أنّ "ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع التونسي يرجع إلى أسباب عدّة، منها نزوع الفرد في بحثه عن القرين نحو الفردانية، خصوصاً عندما تكون انتظاراته من الشريك وآماله مبنيّة عادة على تصوّرات نفعية في مجملها"، شارحاً لـ"العربي الجديد" أنّه "قد تكون للقرين انتظارات مادية أو معنوية أو اجتماعية على مستوى الوجاهة أو غيرها، تتهاوى عند الاصطدام الأوّل بحقيقة القرين". ويشير الطويلي إلى أنّ "الانتقال من الخطوبة إلى الزواج يمثّل قطيعة مع مرحلة الأقنعة"، موضحاً أنّ "كل واحد من القرينَين يضطر إلى التعايش مع الوجه الحقيقي لقرينه بطقوسه وعاداته اليومية وتشنجاته وردود أفعاله التي لم تكن بيّنة في الفترة السابقة، وبالتالي تتبدّل أدوار كلّ منهما من مجرّد أدوار سطحية على المستويَين العاطفي والمادي إلى أدوار أكثر عمقاً على المستوى المادي كتحمّل أعباء الحياة بصورة يومية". ويتابع الطويلي أنّ "سرعة تهاوي الأقنعة بعد الزواج تجعل القرين يبحث عن بديل للشخص الذي عرفه في فترة الخطوبة، وتساهم شبكات التواصل الاجتماعي في تسهيل إقامة علاقات موازية، لا سيّما أنّ لكلّ واحد من الزوجَين فضاءه الافتراضي الخاص وكذلك عالمه الموازي".




ويشدّد الطويلي على أنّه "من الضروري التذكير بأنّ للثقافة الجنسية دوراً مهماً في تقليص مشاكل عدّة، لأنّ غياب التربية والثقافة الجنسيتَين في المجتمع التونسي يؤدّي في أحيان كثيرة إلى مفاجآت غير متوقعة وإلى ارتفاع نسب الطلاق السريع". ويشير في سياق متصل إلى أنّ "تدخّل الأسر في المشكلات العائلية له دوره الكبير في توتير الأجواء وتعميق الأزمة وصولاً إلى نحو الطلاق".