زيجات فاشلة... "رأسان بالحلال" في أقسام الشرطة

زيجات فاشلة... "رأسان بالحلال" في أقسام الشرطة

05 مايو 2017
الصورة
فرحة لا تنالها عرائس كثيرات (كريس ماك غراث/ Getty)
+ الخط -

في كلّ عام، يسجَّل ثلاثون ألف عقد قران في داخل أقسام الشرطة المصرية. وهذه الزيجات التي تُجرى لستر العرض، غالباً ما تنتهي بالفشل.

ازدادت خلال السنوات الماضية الزيجات داخل أقسام الشرطة المصرية، وذلك كنتيجة لعلاقات غير شرعية. لكنّ باحثين في مجال علم الاجتماع وعلم النفس يرون أنّ تلك الزيجات محكوم عليها بالفشل، في حين كشفت تقارير أمنية أنّ الهدف من تلك الزيجات هو "الصلح" فقط في حال اعتداء شاب على شابة، بدلاً من حبسه وتوقيفه. وتبيّن تقارير اطلعت "العربي الجديد" عليها، أنّ كبار العائلات يتفقون في ما بينهم على الصلح، فيُعقد بالتالي القران وغالباً ما يكون داخل أقسام الشرطة وبحضور قيادات أمنية.

وتفيد التقارير الأمنية بأنّ 68 في المائة من هذه الحالات تحصل بعد حدوث حمل، ويصبح الزواج في تلك الحالات بمثابة تصحيح للخطأ. كذلك، فإنّ مصير 48 في المائة من تلك الزيجات هو الطلاق. ويقول مسؤول أمني إنّ الجهات الأمنية لا تمارس أيّ ضغوط على أيّ من الطرفين في مثل تلك الحالات ولا تضع أيّ شروط مثل "شيكات" أو "إيصال أمانة"، بل يحصل ذلك خارج أقسام الشرطة وثمّة عائلات تلجأ إلى ذلك حفاظاً على الحق المادي للشابة في حال وقوع الطلاق.

وتكثر محاضر الشرطة المصرية حول مثل تلك الأحداث، إذ ثمّة عشرات البلاغات تتلقاها أقسام الشرطة يومياً تقول باعتداء شاب على شابة بحجة أنّه يعشقها وينوي الزواج منها عند تحسّن أحواله المعيشية، لكن سرعان ما يتخلى عنها. في المقابل، ثمّة أشخاص لا يتقدّمون بأيّ بلاغ خوفاً من الفضيحة، وآخرون يعقدون القران سريعاً قبل أن تبلغ الفضيحة أحدهم.

اطلعت "العربي الجديد" على بعض هذه الحالات التي حُرّرت محاضر شرطة خاصة قبل بعدها أن يُصار إلى التصالح بالزواج. في قسم شرطة باب الشعرية في القاهرة، اتهمت أسرة نادية أ. (20 عاماً) شاباً يدعى أحمد ع. (25 عاماً) بالاعتداء عليها بعدما أوهمها بالزواج. وعند إلقاء القبض عليه، اعترف بخطئه وقرّر الزواج منها. حينها، وافقت أسرة الشابة على عقد القران داخل قسم الشرطة والتصالح بعد ذلك.

في واقعة أخرى في منطقة بولاق الدكرور في محافظة الجيزة، حرّرت حنان م. (27 عاماً) بلاغاً في قسم الشرطة ضدّ سائق يدعى علي م. عندما راحت تشعر بجنين يكبر في أحشائها. فهو كان قد اعتدى عليها ووعدها بأنّه سوف يتزوجها في وقت لاحق، لكنّه أنكر الواقعة بعد ذلك ورفض الزواج منها. حينها قررت التقدم ببلاغ قبل أن يكبر جنينها، وقد تمكنت وحدة مباحث القسم من إلقاء القبض على السائق الذي قال: "أريد زواجها". فاستُدعي مأذون على الفور، وعُقد قران الضحية والجلاد.



وفي محضر آخر، سُجّل زواج كريمة ج. (25 عاماً) بعدما حرّر والدها محضراً رسمياً ضدّ خطيبها السابق بتهمة اغتصاب ابنته في منطقة شبرا في محافظة القاهرة. وقد ذكرت التحريات أنّ الشاب خطبها لنحو أربعة أعوام قبل أن يبدأ فجأة بالتهرب من إتمام الزواج ويتعمد إحداث خلافات لإنهاء الخطبة. ويخبر الوالد أنّ "البنت تدهورت حالتها الصحية" وقد ظنّ أنّ السبب هو فسخ الخطبة. لكنّ الطبيب الذي كشف عليها لاحقاً، بارك له حملها. يضيف الوالد: "تمالكت نفسي خوفاً من الفضيحة، واعترفت ابنتي بالواقعة. وبعد تهرّب خطيبها، لم يكن أمامنا سوى إبلاغ الشرطة". اعترف الشاب بعد إلقاء القبض عليه، وأكّدت والدته أنّ الزواج سوف يتمّ. فاستدعي المأذون وحُرّر عقد زواج قبل أن ينصرف الشاب برفقة والدته.

في قضيّتها، حرّرت وفاء م. (21 عاماً) وهي طالبة في كلية الآداب، محضراً ضد شاب يعمل نقاشاً تعرّفت إليه عندما كانت العائلة تجدّد الشقة التي يعيشون فيها في منطقة الزاوية الحمرا في القاهرة. أقنعها بإقامة علاقة غير شرعية معه قبل أن يتهرب منها ويبلغها بعد اتصالات عدّة من قبلها بأنّه غير مستعد للزواج ويطلب منها القبول بأيّ عريس يتقدّم لها. ألقي القبض على الشاب الذي قرّر أن يعقد قرانه عليها، في حين أصرّت الأسرة على أن تكون العصمة في يد ابنتها. هكذا انطوت صفحات تلك القضية.

في السياق، تشير المتخصصة في علم الاجتماع الدكتورة عزة كريم إلى أنّ "عدد زيجات الفتيات داخل أقسام الشرطة هو كبير جداً وله مخاطر اجتماعية كبيرة". وتقول لـ"العربي الجديد" إنّ "تلك الزيجات معرّضة للفشل إذ هي مبنيّة على أسس غير صحية. والشابات المغتصبات بغالبيتهنّ أصبنَ بأمراض نفسية مزمنة وبعضهنّ أقبلن على الانتحار". تضيف أنّ "الشاب الذي أجبر على عقد زواجه داخل القسم، ينوي الهروب من العقوبة أو الفضيحة. لذلك فهو زواج باطل". وتشدد كريم على أنّ "الاغتصاب في الشارع المصري بات شائعاً وخطيراً، ويجب العمل على مواجهته من خلال تشريع وقوانين جديدة".

إلى ذلك، يقول المحامي فتحي عبد العزيز إنّ "قانون العقوبات المصري يعفي الشخص من العقوبة إذا تزوّج بالشابة زواجاً شرعياً، إذا حدثت عملية الجماع برضا الفتاة. أمّا في حالة الاغتصاب، فإنّ زواجه منها لا يعفيه من الجريمة".

ويشرح لـ "العربي الجديد" أنّه في هذه الحالة، "من حقّ المجني عليها وأهلها المطالبة بحفظ الدعوى". يضيف عبد العزيز أنّ "البعض قد يطالب الشاب بتحرير مستندات من قبيل الشيكات أو إيصالات الأمانة خوفاً من الطلاق بعد إتمام الزواج مباشرة، بهدف حفظ حقوق الشابة. فعدد كبير من الشباب الذين يقبلون الزواج داخل أقسام الشرطة، ينوون على الطلاق بعد الخروج". ويتابع أنّ "هذا الزواج لا يستمر في أكثر الحالات، لا سيّما أنّ هدفه الوحيد هو تفادي الفضيحة ووسيلة للشاب حتى يهرب من العقوبة".

من جهته، يؤكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور محمد فكري أنّ "الزواج في أقسام الشرطة مشكلة كبيرة تبدأ من عدم قدرة الشباب على الزواج العادي والرسمي"، مشيراً إلى أنّ "زيجات كثيرة من هذا النوع تبوء بالفشل". ويقول لـ "العربي الجديد" إنّه "لا بدّ أن تيسّر الحكومة بسرعة الزواج على الشباب، من خلال توفير السكن والوظيفة الملائمة، خصوصاً مع انتشار الزواج العرفي والتحرّش والاغتصاب في الشارع المصري، في كل القرى والمدن في المحافظات". ويوضح فكري أنّ "الزواج الذي لا يقوم على توافق أو حب أو مشاعر إيجابية أو قبول، تكون نسبة الطلاق فيه مرتفعة جداً"، مشدداً على أنّ "الزواج داخل أقسام الشرطة يسبّب الألم النفسي للشابات إذ يحرمهنّ من مراسم الفرح التي تنتظرها كل شابة".

دلالات