زيارة مفاجئة إلى حلب

09 ديسمبر 2016


في شارع مواز لسور جامعة حلب من جهة حي الفرقان الراقي كنت أخفّ خطاي مسرعاً للوصول إلى باب الجامعة المقابل لكلية الحقوق، استجابة لرسالة وصلت من صديقٍ تقول: الحفلة بدأت، لماذا تأخرت؟


كنا قد اعتدنا مؤخراً على التراسل مستخدمين عبارات رمزية، من قبيل "الزبالة تملأ الجامعة" في إشارة إلى عناصر الأمن المنتشرين بكثرة بين الكليات، وذلك لاعتقادنا، المبني على إشاعات منتشرة، بأن عناصر الأمن والاستخبارات قادرون على مراقبة الرسائل النصية على برامج الدردشة التي نستخدمها على الإنترنت، وذلك من خلال برامج مصممة من قبل خبراء إيرانيين وروس!

تقوم هذه البرامج برصد كلمات معينة على برامج الدردشة، بحيث تعطي تنبيهاً لموظف يجلس أمام شاشة كمبيوتر في فرع المعلومات، وهو أحد فروع الاستخبارات السورية الكثيرة، بأن أحداً ما يستخدم إحدى الكلمات المحظورة، ليراجع الموظف الدردشة ويقرر وجود ضرورة لجلب مستخدم "الكلمة المحظورة" إلى "الفرع" للتحقيق، من عدمها.

حين وصلت الباب شاهدت "الحفلة"، وكانت هتافات "المحتفلين" مسموعة وواضحة، لقد كانت المظاهرة تسير من الشارع الممتد بين كليتي الحقوق والزراعة نزولاً نحو كلية الطب.

قررت من دون تفكير التوجه نحو الباب التالي للجامعة، المقابل لكلية الطب، لأصل إلى هناك مع وصول المظاهرة لأن اللحاق بالمظاهرة من الخلف سيجعلني هدفاً سهلاً لعناصر الاستخبارات والأجهزة الأمنية وأجهزة "حفظ النظام"، الذين يقفون في الأرجاء حاملين أجهزتهم اللاسلكية ومنتظرين أوامر الانقضاض على الطلاب المتظاهرين لتفريقهم بالهراوات والغازات بعد أن يعتقلوا ما تيسر منهم.


بالفعل وصلت إلى المكان المقصود بعد أقل من دقيقة، ووصلت معي جماعة المتظاهرين، الذين تجاوز عددهم مائتين على أقل تقدير، وكما جرت العادة في الشرق عموماً، اعتادت الإناث السير في الخلف، إلا أن صبايا قليلات قررن التمرد على التقاليد الشرقية القديمة ليتقدمن المظاهرة.


ومع اجتماعي مع المتظاهرين ووقوفي بينهم انقلب اتجاه مسير المظاهرة بشكل معاكس، بحيث كنت في أولها فأصبحت في آخرها. وقتئذ أعجبني حجم المظاهرة الذي بدا لي أنه أكبر من المعتاد، فسحبت هاتفي من جيبي لالتقاط مقطع فيديو لها من الخلف بحيث تظهر الأعداد الكبيرة المشاركة بها، وهذا ما حصل، لقد قمت بالتقاط عدة مقاطع من زاويا مختلفة.

وفي الأثناء نكشتني صديقة لم أنتبه لوجودها قربي، وقالت: ما رأيك أن تضع هاتفك بجيبك وتتقدم إلى الأمام؟ إنهم يقتربون منا! جاوبتها: أهلا فرح، كيف حالك؟ وقبل أن تردّ الجواب لمحت عنصراً من "حفظ النظام" يركض مسرعاً نحوي، متبوعاً بآخر منعه وزنه الزائد من اللحاق به، لكن صوته، وهو يقول "أبو الكاميرا، عندك أبو الكاميرا"، وصلني.

وخلال ثانيتين أو ثلاثة كان العنصر السريع قد أصبح خلفي تماماً فناولني ضربة بهراوة يحملها تجاه رأسي، لكني نجحت بشكل عفوي بتفاديها لتصيب كتفي، وبينما أدفعه، مع فرح، ويشدني، نجحت بسحب هاتفي النقال من جيبي ووضعه بيد فرح، التي فهمت لحظتها أن عليها الهرب من المكان.


خلال عملية التدافع التي استمرت ثوانيَ قليلة كان أربعة أو خمسة عناصر قد وصلوا إلى المكان، فسحبني اثنان منهم إلى فرع الحزب، حزب البعث الحاكم، الذي يقع المبنى الخاص به جانب مبنى رئاسة الجامعة، ومن اللافت بالإضافة إلى وجود مبنى من هذا النوع وسط الجامعة، أن هذا المبنى أكبر من مبنى رئاسة الجامعة المجاور له.


كانت هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها مبنى "الحزب"، أصابني انبهار واعجاب بفخامة البهو الذي يتوسط المبنى، الجدران والسقف مغطاة بخشب مزين بنقوش جميلة، أما الأرضية فقد فرشت بحجر مرمر فاخر يذكر الناظر إليه بقصة بلقيس حين كشفت عن ساقيها لما أقبلت إلى أرضية صرح النبي سليمان بعد أن حسبته ماءً جارياً.


سحبني العنصران يساراً، وبسبب جهلي بمكونات المبنى، لم أتوقع أنهما يتجهان بي إلى الحمّامات، فتح أحدهما الباب ودفعني نحو الداخل، كان هناك أربعة شبان، بعد أن أغلق العنصران الباب خلفي وصلت أصوات المتظاهرين إلى داخل الحمّامات، "جميل جداً، المظاهرة مستمرة ونحن هنا محبوسون في تواليت فرع الحزب"، علّق أحد الشبان.


مرت الساعات الأولى والثانية والثالثة ونحن في مكاننا، وكنا وقتها قد تعرفنا على بعضنا، واتصلنا بأهلنا وأخبرناهم عن حالنا باستخدام هاتف أحد الشبان الذي بقي معه، وبعد مرور ست ساعات بدأت الجامعة تخلو من الطلاب والموظفين، لقد غادر الجميع ونحن ما زلنا في مكاننا!


بعد جدال طويل قررنا أن نطرق الباب وننادي على أحد ما ليشرح لنا وضعنا، وبالفعل وبعد أن طرقنا الباب، جاءنا صوت رجل مسن من خلف الباب، وهو يقول: مين؟ (يعني: من الطارق!)


يبدو أن من اعتقلنا قد نسينا في مكاننا، نظرا للاضطراب الشديد الذي تشهده حلب، ربما كُلف بمهمة أخرى في أحد أحياء المدينة المشتعلة، شرحنا لصاحب الصوت قصتنا باختصار، فطلب منا أن نهدأ قائلاً: لا تصرعوني!


بعد دقائق، فُتح الباب، ليظهر ثلاثة رجال من الشرطة، قاموا بوضع الأصفاد على أيادينا قبل أن يجرونا إلى مؤخرة سيارة من نوع "جيب" تابعة للشرطة، كانت قد وقفت أمام باب فرع "الحزب".


توجهت السيارة بنا إلى قسم شرطة الشهباء، وما أن وصلت حتى قام أحد الراكبين معنا من الشرطيين بفتح الباب الخلفي قائلاً: انزلوا، لكن شرطياً آخر من شرطة القسم زجره قائلاً: "وين ينزلوا؟ لا تنزل شي"، و"شي" هي اختصار باللهجة المحكية السورية لكلمة شيء، إذن لقد تحولنا من طلاب في ثاني أعرق الجامعات السورية إلى "شيء" لا يريد الشرطي أن يتم إنزاله.


ردّ الشرطي باب السيارة من دون أن يغلقه، وبينما كان يتفحص وجوهنا قال لصاحبه: من الجامعة؟ وصلنا اليوم أكثر من مائة، القسم ممتلئ، خذهم إلى فرع الأمن الجنائي، لن تجد مكاناً لهم في أي قسم شرطة أو فرع أمني!


انطلقت بنا السيارة إلى الأمن الجنائي، تم إنزالنا عند الباب الخلفي الذي يفضي مباشرة إلى القبو، فهذا الباب يقع أسفل طريق منحدر يصل إليه من الشارع العام، في الداخل كان هناك ازدحام، المعتقلون يقفون في أربعة أرتال، أمام أربعة طاولات يوجد عليها دفتر كبير، ومجموعة أكياس، حيث يجب على كل معتقل أن يضع أغراضه الشخصية في الكيس، ليُسجل على الكيس رقم، هو  الرقم نفسه الذي سيحصل عليه المعتقل حين يُوضع اسمه على الدفتر.

حين جاء دوري، سألني الشرطي الجالس خلف الطاولة حين وضعت أغراضي عليها: أين هاتفك؟ فأجبته بدون تردد: لقد سرقه العنصر الذي قام باعتقالي، نظر إلي بعد أن هز رأسه وقال: الله لا يشبعهم!


بعد تجاوز الطاولة، كان هناك سياج حديدي أسود ضخم، عبوره كفيل بإقناع العابر أنه أصبح معتقلاً فعلاً، يقع هذا السياج في بداية ممر واسع، إضاءته قوية، جدرانه صفراء، وعلى جانبيه أبواب حديدية سوداء، كبيرة على طرف وصغيرة على الآخر، تبين فيما بعد أن الكبيرة هي أبواب المهاجع الجماعية أما الصغيرة فهي أبواب الزنزانات المنفردة.

بينما كنا نحن الخمسة، الذين جُلبنا معاً من الجامعة، نستكشف المكان بأعيننا، تقدم إلينا خمسيني يبدو عليه أنه شرطي مهمل، وقال ببلادة: "اشلحوا للتفتيش"، وقبل أن ينتظر رد فعل منا أكد طلبه بالقول: "اشلحوا أحسن ما أنزلكم عند أبو سمر"، لم نعرف من هو أبو سمر، لكن نبرة صوته التي حملت التهديد، وإشارته إلى الأسفل بقوله "أنزلكم" ووجودنا أصلاً في قبو المعتقلين، جعلنا جميعاً نوقن أن أبو سمر هو أحد أرباب مهنة التعذيب بالمكان.


خلعنا ثيابنا بسرعة، ومن دون تردد، وخلعنا بعدها ثيابنا الداخلية بعد تكرار اسم أبو سمر على مسامعنا مرة أخرى، حمل الخمسيني الثياب وهزها ثم قلّبها، ورماها جانباً على كومة ثياب موجودة سابقاً وانصرف، وبينما نقف عراة ننظر إلى بعضنا، وينظر آخرون إلينا من خلف السور الحديدي الأسود منتظرين دورهم قرب الطاولات، قرر أحد رفاقنا أن يكسر الصمت فسأل قائلاً: "ليش ما حدا فتشنا؟" فتفحصه أخر على مهل من أصابع قدميه إلى عينيه وأجابه: "وين ممكن تخبي شي يا فهمان غير بمؤخرتك؟"


ومع صعود ابتسامات عابرة على وجوهنا التي غطتها علامات الاستغراب مما يجري، عاد الخمسيني ومعه مصباح وربطة مفاتيح، فمال إلى كومة الملابس واستخرج منها خمس قطع من الملابس الداخلية، ثم رمى لكل واحد منا قطعة بشكل عشوائي وأمرنا باللحاق به دون أن نلبسها!


نزلنا خلفه درجاً مظلماً بارتفاع طابقين، فوصلنا إلى ممر مظلم لا ينيره إلا مصباح الخمسيني، الذي فتح باباً حديدياً بمفتاح بحث عنه طويلاً، ثم جرني من يدي، أنا الواقف خلفه مباشرة، ودفعني داخل الغرفة، التي كانت صغيرة إلى درجة أني لم أتوقع أن يكون جدارها الداخلي قريباً إلى هذا الحد من الباب، الأمر الذي جعلني أصدم رأسي به.

وبينما كنت أتحسس رأسي بحثا عن دم، ربما يكون قد سال منه، أمعنت النظر في باب الغرفة الذي تركه الخمسيني مفتوحاً، كان الباب يبدو صغيراً إلى درجة دفعتني للتساؤل كيف مررت عبره بهذه السهولة، أمعنت النظر في الباب أكثر، فتبين لي أنه باب الخزانة الواقفة أمام سريري والذي يبدو أني نسيت أن أغلقه قبل أن أخلد إلى النوم.