زيارة مساهل السورية: انقسام جزائري واستحضار الخلاف مع السعودية

زيارة مساهل السورية: انقسام جزائري واستحضار الخلاف مع السعودية

27 ابريل 2016
الصورة
رفض جزائري لجرائم النظام السوري (كرم المصري/فرانس برس)
+ الخط -
أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها مساعد وزير الخارجية الجزائري المكلف بالشؤون الأفريقية والمغاربية والجامعة العربية عبد القادر مساهل إلى سورية، جدلاً سياسياً وإعلامياً كبيراً في الجزائر، ودفعت بجزء كبير من السياسيين والإعلاميين والناشطين إلى إدانة هذه الزيارة والتعبير عن رفضهم للموقف السياسي الذي أعلن عنه المسؤول الجزائري في دمشق.
وأحدثت زيارة مساهل انقساماً كبيراً في المواقف السياسية وداخل المجتمع في الجزائر، بين رافض لهذه الزيارة وللمواقف السياسية المعلنة خلالها من قِبل المسؤول الجزائري، وبين مؤيد لهذه الزيارة وتوقيتها، خصوصاً في ظل حالة التجاذب السياسي الحاد المعلن بين الجزائر والمحور الذي تقوده السعودية.
ورأى الناشط السياسي، عبد الوكيل بلام، أن الموقف السياسي للنظام الجزائري إزاء النظام السوري لا يلزم إلا "المجموعة الحاكمة" التي تدير شؤون الجزائر، مضيفاً: "اعتقد أن طبيعة النظام السياسي في الجزائر وسورية، كحكم شمولي استبدادي، لديهما أدوات الحكم والسطوة نفسها، ولذلك يجد النظام الجزائري في مؤازرة النظام السوري ضرورة سياسية"، معتبراً أن "الدبلوماسية الجزائرية باتت تعبّر في الفترة الأخيرة عن مواقف شاذة داعمة للحكام الانقلابيين كنظام عبدالفتاح السيسي في مصر وبشار الأسد في سورية"، مستغرباً دعم السلطة في الجزائر لما وصفه بـ"نظام يقتل شعبه بالبراميل المتفجرة".
من جهته، علّق الكاتب الجزائري محمد جربوعة على هذا الموضوع بالقول: "عندما تقول الدبلوماسية الجزائرية للنظام السوري إن الجزائر حكومة وشعباً متضامنة معك فهذا غير صحيح، فالكثيرون في الجزائر ليسوا من مؤيدي نظام كسبَ عاراً كبيراً بإلقاء براميل المتفجرات على أطفال ونساء شعبه". وأضاف جربوعة الذي قضى فترة من حياته في سورية قبل الثورة: "موقف الدبلوماسية الجزائرية يُلزمها وحدها فقط، والكثير من الجزائريين لا يرضون بأن يسجّل عنهم أنهم تضامنوا مع نظام يصر على الكرسي ولو بإبادة شعبه، ومن يستحقون التضامن هم الملايين من المهجرين والموتى والغرقى في البحار والمرميين في الملاجئ".
ليست المواقف المعترضة على زيارة مساهل فقط هي التي طغت على المشهد السياسي والإعلامي الجزائري، بل إن فاعلين سياسيين عبّروا عن موقف مؤيد للخطوة السياسية الجزائرية، ومنهم رئيس حزب "جبهة الجزائر الجديدة" جمال بن عبد السلام، الذي يُعدّ من أبرز قادة الأحزاب السياسية المؤيدة للنظام السوري والدافع إلى مزيد من التأييد الرسمي الجزائري لسورية. ويبرر بن عبد السلام ذو التوجهات الإسلامية، وكان نائباً سابقاً عن حركة "النهضة" ثم "الإصلاح" الإسلامية، موقفه بكون "سورية تتعرض لمؤامرة عربية صهيونية تنخرط فيها قوى عربية داعمة لإسرائيل". ويعتبر أن "الجزائر بمواقفها التاريخية لا يمكن ان تكون في هذا الصف"، قائلاً إن "هناك مزايا وخدمات تاريخية قدّمتها سورية للجزائر في فترتين حاسمتين من تاريخ الجزائر، خلال فترة ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي حين كانت سورية تقدّم دعماً رسمياً وشعبياً لثورة الجزائر، ودعماً آخر خلال فترة الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد في التسعينيات". وتقول تقارير إن النظام السوري كان النظام العربي الوحيد الذي كسر الحصار الاقتصادي الذي كان مضروبا على الجزائر بعد انقلاب الجيش في يناير/كانون الثاني 1992، واقتسمت سورية جزءاً من مخزونها الاستراتيجي من القمح مع الجزائر، كما أنها من بين الدول العربية القليلة التي أبقت على رحلاتها الجوية مفتوحة باتجاه الجزائر.


وتوجد بعض الحساسية المتراكمة لدى الرأي العام في الجزائر، منذ عهد الرئيس الراحل هواري بومدين في السبعينيات من دول الخليج، والمتأتية من الصراع الذي شهده العالم العربي بين محور الأنظمة الجمهورية العسكرية بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي وهواري بومدين، مع الأنظمة الملكية في دول الخليج. هذه الحساسية تؤدي دوراً كبيراً في صناعة موقف متحفظ لدى بعض الرأي العام في الجزائر تجاه مواقف دول الخليج إزاء سورية، ويجد فيها مصلحة مناقضة للمصلحة الوطنية، على الرغم من رفض قطاعات واسعة من الجزائريين لممارسات النظام السوري، وحالة الدمار والخراب التي وصلت إليها سورية بسبب ذلك.
لكن مراقبين سياسيين يشيرون إلى تبريرات سياسية أخرى لزيارة المسؤول الجزائري إلى سورية، وهي وفق السفير الجزائري السابق في مدريد عبد العزيز رحابي، تتعلّق بـ"رفض الجزائر الانحياز إلى مواقف محور دول الخليج، والتي لم تكن مواقفها إيجابية بالضرورة من أزمة الجزائر في التسعينيات، ولم تقدّم يد العون المادي والسياسي للجزائر التي عاشت حصاراً سياسياً واقتصادياً شبيهاً بالعزلة المضروبة على النظام السوري". كما أن التطورات الأخيرة بين الجزائر والسعودية بشأن أزمة النفط ورفض السعودية الاستجابة للمطالبات الجزائرية بتجميد الإنتاج لحماية مصالح الجزائر المهددة بالصدمة النفطية، وكذلك المواقف الجزائرية المعترضة على المبادرات السعودية في إطار الجامعة العربية إزاء أزمات ليبيا واليمن وسورية، والتحالف العربي والتحالف الاسلامي، وصولاً إلى رفض الجزائر للقرار العربي باعتبار "حزب الله" اللبناني تنظيماً إرهابياً، كلها عوامل زادت من تباعد المواقف بشأن الصراع السوري، إضافة إلى إعلان دول الخليج انحيازها للطروحات المغربية بشأن قضية الصحراء الغربية، ما دفع الجزائر إلى رد سياسي انتهى بها إلى خرق العزلة السياسية المضروبة على النظام السوري وإرسال مساعد وزير الخارجية الجزائري إلى دمشق.

المساهمون