زيارة للصندوق الأسود للدولة المصرية (1 من 3)

زيارة للصندوق الأسود للدولة المصرية (1 من 3)

24 ديسمبر 2018
+ الخط -
كيف كانت الأمور تدار في الدولة المصرية طيلة الفترة التي أعقبت ثورة يوليو 1952 على اختلاف من حكموها؟ هل يمكن أن يفيدنا المنهج العلمي في فهم الطريقة التي تدار بها دولة ما بشكل غير علمي؟ هل يمكن لمن تتاح له زيارة الصندوق الأسود للدولة المصرية أن يجد شيئاً له معنى يساعده على فهم طريقة إدارتها، أم أنه سيجد ما يزيده حيرة وارتباكاً؟ هل تسهل السيطرة على الدولة المصرية لكل من يصل إلى موقع الرئيس فيها؟ أم أن أي سيطرة عليها لن تتحقق إلا إذا كانت النخبة السياسية والبيروقراطية والمؤسسة العسكرية داعمة له؟ كيف يقوم الرئيس باختيار مساعديه ومعاونيه وكيف يقوم باستبعادهم؟ وهل يمكن فصل ما تعيشه مصر الآن عن كل ما تم صبه في نهر الحياة السياسية من دم وعفن وأحلام وأكاذيب؟ 

كل هذه الأسئلة التي لا غنى عنها لفهم ما جرى ويجري لمصر، طرحتها الباحثة الدكتورة مايسة الجمل في دراستها للنخبة السياسية في مصر بعد ثورة 1952 وصولاً إلى السنوات الأولى من حكم حسني مبارك لمصر، من خلال دراسة حالة للنخبة الوزارية المشاركة في الحكم، وهي الدراسة التي نالت عنها شهادة الدكتوراة من جامعة لندن، تحت إشراف الدكتور سامي زبيدة. أجرت الباحثة في دراستها لقاءات مهمة مع عدد من رموز نظام يوليو، لم يتح لكثير من الباحثين مقابلة بعضهم مثل زكريا محيي الدين وسيد مرعي ومحمد إبراهيم كامل ومنصور حسن، بالإضافة إلى مقابلات أجرتها مع كثير من المشاركين في الحكم خلال عهدي عبد الناصر والسادات، أدلى بعضهم بمعلومات مهمة، وطلبوا منها عدم نشر أسمائهم منعاً للإحراج والمشاكل، في حين قامت هي بحذف تفصيلات متعلقة بالحياة الشخصية ذكرها بعض الوزراء في معرض حديثهم عن وزراء آخرين. 

طرحت الدكتورة مايسة الجمل عدة فرضيات هامة، وصلت في ختام دراستها إلى مناقشتها وتأكيدها، أولها أن عملية صياغة السياسات في مصر بعد ثورة يوليو 1952 ظلت تخضع بشكل أساسي لميول وخيارات رئيس الجمهورية، حيث لا توجد أية أطر جماعية أو مؤسسية تحكم عملية صنع القرار أو تؤثر فيها. ثانيها أن النخبة السياسية المصرية هي في الأساس كيان بيروقراطي إداري يعنى بتنفيذ السياسات الرئاسية وليس بوضعها. ثالثها أن التغيرات التي طرأت على النخبة السياسية منذ عام 1952 كانت عملية إعادة تدوير لهذه النخبة، وليس عملية إحلال أو تجديد. رابعها أن الدور السياسي للمؤسسة العسكرية منذ ما بعد يوليو 52 ظل بمعزل عن عملية صنع القرار في حد ذاتها، وأن الدور السياسي لها تركز في المقام الأول في حماية نظام الحكم، وليس الاشتراك في الحكم بشكل مباشر أو غير مباشر، ولذلك فقد مارست تأثيراً سياسياً هاماً، لكنها لم تكن شريكة بشكل كامل في عملية صنع القرار، وهو ما تختلف فيه الباحثة مع دراسات سابقة مهمة عن هذا الموضوع مثل دراسات أنور عبد الملك وب. جي فاتيكيوتس وهرير ديكمجيان ومارك كوبر، الذين أسندوا إلى المؤسسة العسكرية طيلة الوقت دوراً مباشراً في عملية صناعة القرار، في حين ترى الباحثة أن العلاقة التي سادت بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية على مدى عدة عقود، هي علاقة المنفعة المتبادلة، أي الحصول على مزايا مقابل الحماية، وهي علاقة لا تخضع بالضرورة لعملية تمثيل الضباط في الأجهزة السياسية للدولة، كما أنها لا تتأثر أبداً بتغيير رئيس الجمهورية. 

أبناء الدفعة ورفاق الشلّة

تؤكد الدكتورة مايسة الجمل عند دراستها لآليات الدخول إلى أجهزة الدولة المصرية في فترة ما بعد 1952 أن هذا الدخول لا يخضع لعمليات التعبئة أو التنافس بين الجماعات السياسية

المختلفة، فأعضاء الوزارات والمجالس النيابية لا يحتلون مواقعهم داخل النخبة السياسية استناداً إلى قاعدة قوة خاصة بهم، بل يصلون إلى مناصبهم بفضل اختيار السلطة الأعلى لهم، ولذلك يكون ولاؤهم شخصياً لهذه السلطة، ويصبحون خاضعين لها، لا شركاء في عملية صنع السياسات، ولذلك يصبح بقاء هذه النخبة واستمرارها مرهوناً بولائها لمن اختارها، وقدرتها على تنفيذ سياساته، وبسلبيتها وحيادها الأيديولوجي أيضاً. 

تنبه الباحثة قارئها إلى أن دراسة الحياة السياسية في مصر لا يمكن أن تتم من خلال دراسة تنظيم الجماعات الرسمية وتوزيع القوة والنفوذ بينها، أو علاقات التنافس والتعارض بينها، لأن المبادئ السياسية لتنظيم الجماعات الرسمية، هي مبادئ غائبة عن المسرح السياسي، وأن ما وجدته من خلال دراستها، هو أن ما يحكم عملية تجنيد أفراد النخبة السياسية في مصر لإدخالهم إلى دائرة المناصب، ليس سوى علاقات المنفعة المتبادلة التي تنشأ من خلال الجماعات غير الرسمية المتمثلة في "الشلّة والدفعة"، وتطرح الباحثة تفسيراً لاستمرار رموز النخبة السياسية لفترات طويلة رغم اختلاف التوجهات السياسية التي يتولون تنفيذها من رئيس لآخر ومن مرحلة إلى أخرى، ترى فيه أن التغييرات الفردية التي تحدث داخل النخبة بسبب التغييرات الوزارية المتعاقبة والانتخابات التشريعية الدورية، ليست تغييرات فعلية، بقدر ما هي إعادة توزيع لأعضاء النخبة على أجهزة الدولة المختلفة، بحيث يظلون داخل الدائرة النخبوية، التي تسودها علاقات منفعة متبادلة بين كافة الأطراف، ولذلك ترى أن الحالات الفعلية لتغيير النخبة في مصر منذ العام 1952 كانت في الواقع مجرد حالات فردية حدثت بسبب عجز أصحابها عن فهم طبيعة السلبية السياسية والمهام الإدارية المتوقعة منهم والالتزام بها.

خلال دراستها لتشكل وتطور النظام السياسي لثورة يوليو في عهدي عبد الناصر والسادات، تصف لنا الباحثة كيف شهدت فترتا الخمسينات والستينات جهوداً استهدفت تهميش الجماعات السياسية والاقتصادية في المجتمع التي تشكلت قبل ثورة يوليو 52، ليتم تركيز جميع السلطات تدريجياً في يد النظام الجديد، وتسهم سياسات إعادة توزيع الدخل وحظر النشاط السياسي وسيطرة الدولة تدريجياً على الاقتصاد، في نشوء نظام سياسي قابل للاستمرار، لينجح عبد

الناصر في منتصف الستينات في عزل المجتمع المدني سياسياً، ثم يقوم بعد هزيمة يونيو 67 بتحييد النخبة السياسية، التي كان انقسامها إلى أجنحة مختلفة يمثل خطراً محتملاً على نظام حكمه، خاصة وأن كل جناح من تلك الأجنحة استطاع انشاء شبكة من المنافع المتبادلة الخاصة داخل أجهزة الدولة، ليتمكن عبد الناصر من تحجيم مخاطر تلك الأجنحة النخبوية. وحين جاء السادات خلفاً لعبد الناصر استطاع بعد مايو 1971 أن يقضي على تلك الأجنحة النخبوية، ليضمن وجود نخبة موحدة فكرياً ومحيّدة سياسياً، ليكون المجال الوحيد الذي سار فيه السادات على نهج عبد الناصر نفسه وإلى حد كبير هو مجال تهميش النخبة السياسية في مصر.

تضيف الباحثة أن الضغوط التي واجهها الرئيسان عبد الناصر والسادات من قِبَل النخبة المعارضة لم تسفر عن تغييرات جوهرية في الحياة السياسية، لأن النظام عمل طيلة الوقت على تهدئة المعارضة أو احتوائها، إما ببذل الوعود بالإصلاح أو بالإجراءات التعسفية كالاعتقال. أما على صعيد النخبة الرسمية فقد لجأ الرئيسان إلى نبذ وإقصاء أعضائها الساخطين أو إعفائهم من مناصبهم، وفي حالة السادات فإن السهولة التي استطاع بها التغلب على معارضة بعض الأفراد في النخبة الحكمة سواءاً كانوا وزراء خارجية أو دفاع أو غيرهم، أدت إلى وجود نخبة سياسية يتصف معظم أفرادها بالسلبية، وذلك لإدراكهم استحالة التدخل في قرارات الرئيس، وعجزهم عن إبداء النقد أو الاعتراض عليها، وهو ما أدى إلى ابتعادهم عن المشاركة السياسية الفعالة، للمحافظة على مناصبهم، ليتساوى "اللي فوق" مع "اللي تحت" في الإيمان بأفكار شعبية راسخة من نوعية "من دقنه وافتل له ـ ارقص للقرد في دولته ـ لو رحت بلد تعبد العجل حِشّ وارمي له ـ إن كان لك عند الكلب حاجة قل له يا سيدي".

مصادر شرعية النخبة

في القسم الثاني من دراستها الذي تتطرق فيه لدراسة بنية النخبة السياسية المصرية ومصادر شرعيتها تبدأ الدكتورة مايسة الجمل بالاستشهاد بتحليل للباحث ريموند هينبوش عن النخبة في عهد السادات، قال فيه: "في مصر يسمو رئيس الجمهورية فوق أية ضوابط رسمية كالقانون، وفوق الضوابط الإدارية التي يخضع لها مرؤوسوه، كما يظل هو المصدر الوحيد لأية ابتكارات سياسية أو إيديولوجية، فضلاً عن أنه الشخص الذي يملك تحديد قواعد اللعبة السياسية وشروط المشاركة السياسية وتغييرها". كان هيبنوش يرد بشكل محدد على دعاوى السادات التي أطلقها بشكل مكثف عن إحداثه تغييراً واضحاً عن عهد سلفه، ليؤكد أن الرئاسة في مصر لا زالت عبارة عن تركيز هائل للسلطة في يد فرد واحد تماماً وبالقدر نفسه الذي كانت عليه في عهد عبد الناصر، وهو ما تؤكده مايسة وتضيف إليه أن السلطة السياسية في مصر كانت تستند طيلة الوقت  إلى إجماع كامل تفترض وجوده من خلال الاستفتاءات التي بدأت بعد ثورة يوليو، وبالتالي فإن رأس السلطة يتصرف على اعتبار أنه يتمتع بشرعية سياسية مطلقة وشرعية قانونية من خلال السلطات الدستورية، وهو ما يجعل سلطان حكمه يتعاظم دائماً إلى أبعد الحدود. 

تلاحظ الباحثة أن المعارضة الشعبية التي واجهت السادات مع اقتراب السنوات الأخيرة من

فترة رئاسته، والتقلص السريع لشرعيته، لم تكن في الأساس رد فعل لتلك الطبيعة الشخصية التي اتصف بها حكمه، بقدر ما كانت بسبب تنامي عدم الثقة بوعوده المستمرة بحياة اقتصادية واجتماعية أفضل، وبينما عارض المثقفون والأحزاب حكم السادات الفردي، فإن أفراد الشعب لم يكونوا يأملون في المشاركة في الحكم وممارسة حقوقهم السياسية التي حرموا منها طويلاً، بل كان أقصى أملهم هو المطالبة بفرص العمل ورغيف العيش، ولذلك فإن تردي المستوى المعيشي لطبقات الشعب العريضة مع استمرار التفاوت الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء هو الذي أطاح بحكم السادات.

تحاول الباحثة أن تفهم عملية صنع القرار في مصر، حيث يستطيع شخص واحد بمفرده تسيير ذلك العدد الكبير والمتنوع من أجهزة الدولة التي يتكون منها الجهاز البيروقراطي في مصر، فترى أن رئيس الجمهورية في مصر لا يتحكم في التسيير اليومي للنظام، لكن توجيهاته هي التي تحدد شكل النظام بصفة عامة، وفي إطار هذه التوجيهات العامة فإن الوزراء ووكلاء الوزراء والسفراء وكبار المسئولين البيروقراطيين، لا يؤثرون في عملية صنع القرار إلا من خلال تأثيرهم في المرحلة الأخيرة منها، وهي تنفيذ السياسات، وعندما يحدث تعارض بين أسلوب التنفيذ وبين التوجهات العامة للرئيس، يتم على الفور إقصاء أعضاء النخبة المتسببين في ذلك عن مناصبهم، وحتى حين تتجنب النخبة السياسية في بعض الحالات تنفيذ بعض توجهات الرئيس التي تضر بمصالحها الشخصية، لا تعارض تلك التوجهات بشكل صريح، بل تحقق أهدافها عن طريق السلبية والتراخي في التنفيذ، وهو ما تضرب عليه الباحثة مثلاً بموقف البيروقراطية المصرية من عمليات الخصخصة التي لم تعارضها صراحة، لكنها عملت دائماً على تعويق تنفيذها، أو بما حدث بشكل آخر في عهد السادات حين اشتكى له البعض خلال زيارة قام بها إلى أسوان من إحدى الشركات، فأصدر أمراً فورياً إلى ممدوح سالم بإغلاقها على الفور، ولم يعترض ممدوح سالم، بل أخذ الرئيس على قد عقله، ليؤجل إقناعه بخطأ القرار إلى مرحلة لاحقة بعيداً عن أعين الجماهير. 

من يمتلك أذن الرئيس؟ 

تؤكد الدكتورة مايسة الجمل أن عملية صنع القرار في مصر تتأثر بطبيعة المعلومات التي يتلقاها رئيس الجمهورية، ومصدرها الأساسي التقارير الأمنية والوزارية، لكنها ترى أن محتويات هذه التقارير ليست هي العنصر الأهم، بل الأهم هو الأسلوب الذي تكتب به التقارير، ومدى موضوعيتها أو تحيزها الذي تحدده أهداف من يكتبها وطبيعتها، وما ينتقيه الرئيس بنفسه من بين كل هذه التقارير، وتستند لتأكيد هذه النقطة المهمة على مقابلتها مع منصور حسن وزير شئون الرئاسة في عهد السادات، والذي أكد لها أن أهمية التقارير المقدمة إلى السادات كانت

تعتمد على أمانة كاتبها وما إذا كانت له طموحات في شغل منصب سياسي أعلى، كما أن حجم المعلومات المقدمة في التقارير كان يتم الحرص دائماً على ألا يكون كبيراً، لأن السادات كان يعتبر نفسه رجل استراتيجية، وليس مديراً سياسياً، ولذلك لا داعي لشغله بالتفاصيل الكثيرة، لكن المشكلة أنه كان يريد أن يسمع دائماً ما يتلاءم مع رؤيته السياسية، ولذلك يقول منصور حسن للباحثة: "إن حجب الآثار التي تسفر عنها سياسات السادات كانت بالتحديد مهمة الذين يقوون بإعداد التقارير للسادات، لأن وجود مشكلات عديدة يعني أنهم لا يقومون بمهمتهم على الوجه الأكمل، ولذلك فإن الخوف من فقدان المنصب أو الحرص على كسب مزيد من الرضا جعل هؤلاء الذين يزودودن السادات بالمعلومات يلتزمون فيها بمنهج انتقائي إلى حد كبير"، وهو كلام للأسف لم يقتصر على السادات وحده، بل كان ولا يزال منهج العمل المتبع مع التقارير المعلوماتية والأمنية داخل دولاب الدولة المصرية. 

تضيف مايسة الجمل إلى شهادة منصور حسن أن كثيرين من المحيطين بالسادات، كانوا يدركون أهمية الاحتفاظ بآرائهم لأنفسهم، حتى عندما تشير الحقائق المؤكدة التي تتوافر لهم إلى ضرورة تبني وجهة نظر مخالفة لتلك التي تبناها السادات، وتذكر مثلاً على ذلك رواه لها الدكتور يحيى الجمل وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء في عهد السادات، عن أن كمال حسن علي حين تولى رئاسة المخابرات المصرية في السبعينات، طلب الإطلاع على ملف قضية الجاسوسية التي حوكم وأدين بسببها الكاتب الصحفي مصطفى أمين، وبعد قراءته لذلك الملف أسر لبعض أصدقائه أنه لم يعد لديه أدنى شك في أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما العدو الحقيقي لمصر وأنهما لا يريدان حقاً السلام مع مصر، لكنه وبعد استقالة محمد إبراهيم كامل من منصب وزير الخارجية اعتراضاً على أداء السادات خلال مباحثات كامب ديفيد، وافق على تكليف السادات له بمنصب وزير الخارجية، وعمل طوال تقلده ذلك المنصب على تمتين علاقات مصر بأمريكا وإسرائيل، رغم أنه لم يحصل على معلومات جديدة تجعله يغير موقفه من الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية، بل قام بشغل منصبه وفقاً لفهمه لرغبات الرئيس وميوله. 

تلاحظ الباحثة خلال دراستها لتعامل عبد الناصر والسادات مع المعلومات أن الأمن الشخصي وليس الأمن القومي، كان العامل الذي يؤخذ فقط في الاعتبار حين تتم مناقشة التقارير وأخذ القرارات، وهو تعبير قاله لها زكريا محيي الدين للباحثة خلال لقائها به، حيث لم يكن أي

رئيس يفرق بشكل واضح بين شخصه وبين الدولة، ولذلك كانت قراءة الرئيس لما يقدم له من تقارير وانتقاءه من بينها، يعتمدان على ميول واتجاهات الرئيس، وتضرب مثالاً على ذلك بأن التقارير التي قدمت إلى كل من عبد الناصر والسادات كانت تشير إلى أهمية الموقف الأمريكي في أية تسوية مطلوبة للصراع العربي الإسرائيلي، ورغم ذلك فإن كلاً منهما تعامل مع هذه الفكرة من خلال ما يميل إليه من تفضيلات سياسية، حيث راهن عبد الناصر على قوة الاتحاد السوفيتي، في حين اعتبر السادات أن الولايات المتحدة هي التي تملك تسعة وتسعين بالمائة من أوراق اللعبة، وبالتالي كان موقف كليهما مرتبطاً باعتقاده السياسي وليس برأي النخبة السياسية المعاونة له، وهو ما أكده للباحثة كل الذين التقت بهم من الذين عملوا مع عبد الناصر والسادات الذين أكدوا أن القرارات التي اتخذت في عهد كل منهما كانت قرارات فردية يصدرها الرئيس بشكل شخصي. 

تضيف الدكتورة مايسة الجمل أن تدخل عبد الناصر والسادات في اتخاذ القرارات الفنية كان مختلفاً لدى كل منهما، حيث كان عبد الناصر يهتم بمعرفة أدق التفاصيل، وكان يشارك في تحديد الخيارات المختلفة على المستوى الفني، وكان كما ذكر زكريا محيي الدين يفحص عن كثب التقارير الفنية التي يعدها أعضاء مجلس الوزراء في جميع النواحي، أما السادات فكان نادراً ما يحضر اجتماعات مجلس الوزراء ويعتمد على وزرائه في النواحي الفنية، ولا يخفي عدم اهتمامه بقراءة التقارير، وكما ذكر لها سيد مرعي أحد أبرز رجال السادات، أن السادات كان له أسلوب فردي، حيث يتجاهل غالباً اقتراحات أعضاء مجلس الوزراء، ويمكن أن يغلَّب عليها آراء أشخاص من خارج الحكومة، وأنه كان يتخذ القرارات الخاصة بالمسائل الفنية بشكل عشوائي، وضرب سيد مرعي مثالاً على ذلك بقرار السادت بشأن مشروع الصالحية للاستصلاح الزراعي، حيث قررمن وحي اللحظة ودون تفكير، وقف الجهود التي بدأها سيد مرعي منذ وقت طويل لإيجاد مجتمع زراعي كان يرغب في جعله نموذجياً، لأن عثمان أحمد عثمان أكبر وأشهر مقاول مصري وأحد أبرز المقربين من السادات ـ مثل سيد مرعي نفسه ـ أقنع السادات بأن يكون هذا المشروع تحت إشرافه، لأنه يود استخدامه كأساس لمشروعات المدن الجديدة في مصر، وعندما تم افتتاح مشروع الصالحية ظهر عثمان أحمد عثمان وهو يصافح السادات الذي هنأه على نجاحه، بينما تغيب سيد مرعي عن حضور الافتتاح الرسمي لمشروع كان هو صاحب فكرته. 

....

نكمل غداً بإذن الله مع حديث الباحثة الدكتورة مايسة الجمل عن كيف يأتي الوزراء في مصر ما بعد يوليو 1952، وكيف يرحلون؟