زوجات مقاتلين أجانب... سوريات في انتظار مصير أبنائهنّ

21 فبراير 2019
الصورة
مستقبلهنّ وأبنائهنّ مجهول (فاضل سنّا/ فرانس برس)
+ الخط -

وسط الجدال القائم حول أبناء السوريات اللواتي أنجبنَ من مقاتلين أجانب، نصّت مواد من القانون الخاص بمجهولي النسب الذي أقرّه مجلس الشعب السوري على تسجيل مجهول النسب "عربياً سورياً" ما لم يثبت خلاف ذلك، و"مسلماً" ما لم يثبت خلاف ذلك.

مقاتلون أجانب كثر التحقوا بالمجموعات المتشددة التكفيرية التي سيطرت لسنوات على مناطق عدّة في سورية. هؤلاء لم يؤدّوا دوراً عسكرياً فحسب في إطار تلك المجموعات التي كثرت انتهاكاتها وجرائمها، إنّما خلّفوا أزمة اجتماعية من خلال زواجهم من سوريات. وهؤلاء السوريات اللواتي أنجبنَ أولاداً من أزواجهنّ الأجانب، يُعَدّ أبناؤهنّ مجهولي النسب. فيُصار بالتالي إلى "جلدهنّ" مع فلذات أكبادهنّ من قبل المجتمع أوّلاً، والقانون ثانياً.

أمّ عبد الله، سوريّة تبلغ من العمر 34 عاماً، سبق أن تزوّجت من مقاتل في تنظيم "داعش" من أصول تونسية، وهي تقيم في ريف الرقة بالشمال السوري، تقول لـ"العربي الجديد": "لا أعلم حتى يومنا هذا ما هو اسم زوجي، على الرغم من أنّني سألته أكثر من مرّة عن ذلك. أبو عبد الله المصري، هكذا كان يناديه الجميع. وما يعنيه هو الاسم الذي يحمله في دولة الخلافة، بحسب ما كان يكرر". تضيف: "كان والدي متديناً، وكذلك أخي الذي انخرط في داعش بعدما سيطر على المنطقة. في ذلك الحين، كنت في الثلاثين من عمري، وكانت الفتاة التي بلغت هذا العمر في مجتمعي ولم تتزوّج تُعدّ عانساً وتصير فرصتها في الزواج شبه مستحيلة". وتتابع أمّ عبد الله: "شقيقاتي جميعهنّ تزوّجنَ، وبقيت وحدي في بيت والدي. وعندما أخبرني أخي بأنّ أبا عبد الله يريد الزواج مني وحمد لي أخلاقه والتزامه الديني، ومن جهته، لم يكن لدى أبي أيّ مانع، بل شجّعني على القبول، بالفعل تزوّجت منه وأنجبت منه طفلنا الأول عبدالله. وعندما كنت حاملاً بابني عبد الرحمن، صدر قرار مشاركته في قتال بالعراق، لتصلنا بعد ذلك أخبار تفيد بأنّه قتل في تلك المعارك".




وتكمل أمّ عبد الله: "توفي أبي ومن بعده قتل أخي في إحدى المعارك بريف الرقة. أمّا أنا، فلديّ اليوم طفلان ولا أعلم كيف يكون مستقبلهما. أنا لا أملك سوى عقد الزواج الذي نظمه أحد الشرعيين في التنظيم، واليوم أخشى أن أطلع أحداً عليه خوفاً من أن أعتقل على أنّني داعشية". وتسأل: "بعد سنوات قليلة، كيف سأدخل الصغيرَين إلى المدرسة؟ وهل يُعقَل أن يظلا من دون أيّ هوية عندما يكبران؟". وتشير إلى أنّ "المجتمع لا يرحم. فبعد رحيل داعش، صرت وكذلك ولداي نتلقّى انتقادات قاسية. أقاربي كذلك شاركوا في الأمر، وهم بحسب ما يبدو، لم يكونوا يجرؤون على الانتقاد عندما كان التنظيم حاكماً. ويُشار إلى الطفلَين على أنّهما ولدَيّ الداعشي. هما صغيران في السنّ ولا يدريان معنى ذلك، لكنّني لا أعلم ماذا أقول لهما عندما يكبران ويسألان عن والدهما ولماذا يُنعتان بأنهما من الدواعش".

من جهتها، تخبر أمّ البراء، البالغة من العمر 21 عاماً، وهي من ريف دير الزور الشرقي: "كنت طفلة عندما قرّرت عائلتي تزويجي بأحد أمراء داعش في المنطقة، ويُدعى أبو براء التونسي. لم أكن أراه إلا قليلاً، لكنّني أنجبت منه طفلاً. وبعد أسابيع من ولادة طفله، قتل في غارة جوية على البلدة". تضيف أمّ البراء أنّه "ومع مرور الوقت، صرت أشعر بأنّ عائلتي تخجل من زواجي ومن ابني. وبعد نحو عامَين من مقتل زوجي، تمّ تزويجي من أحد أبناء عمومتي، كأنّ العائلة تريد ستر عيب أو فضيحة".

القلق سيّد الموقف (فاضل سنّا/ فرانس برس) 

في السياق، يقول محمد الخليف، من دير الزور (شرق)، الناشط في مجال التوثيق، لـ"العربي الجديد"، إنّه "في ما يخصّ زواج السوريات في ريف دير الزور من مقاتلين أجانب، أظنّ أنها حالات محدودة"، معيداً ذلك "بصورة أساسية إلى المجتمع العشائري المتمسك بالعادات والتقاليد. فأهل تلك المجتمعات لا يزوّجون بناتهم إلا لأبناء العشيرة، غير أنّ الأمر يختلف قليلاً في المدن، حيث ترتفع نسبة زواج المقاتلين الأجانب من السوريات، خصوصاً النازحات منهنّ، مستغلّين سوء أحوالهنّ". ويلفت الخليف إلى أنّ "عدد الولادات من جرّاء زيجات المقاتلين الأجانب بالسوريات، محدود. لكنّ المجتمع، على الرغم من ذلك، يتّخذ مواقف سلبية إزاء ذلك".

والمقاتلون الأجانب الذين يتزوّجون من سوريات ليسوا فقط من تنظيم "داعش"، فثمّة تنظيمات مسلحة عدّة تضمّ بين عناصرها مقاتلين أجانب قاموا بالمثل في خلال السنوات الفائتة، من قبيل "هيئة تحرير الشام" و"الحزب الإسلامي التركستاني في سورية" ومجموعات إسلامية من أوزبكستان والقوقاز.

في بداية عام 2018، أعدّت حملة "مين زوجك"، من خلال فرق عمل موزّعة على القرى والبلدات، إحصائية هي الأولى من نوعها على مستوى سورية، رصدت من خلالها عدد السوريات المتزوجات من مقاتلين أجانب منتسبين إلى "هيئة تحرير الشام" في محافظة إدلب (شمال) وحدها. فسجّلت 1735 زيجة منذ عام 2013، من بينها زيجات لقاصرات. وقد أنجبت 1124 من النساء اللواتي تورّطنَ في تلك الزيجات 1826 طفلاً، بينما تطلّقت 193 منهنّ أو صرنَ أرامل بعد مقتل أزواجهنّ في المعارك. كذلك، ثمّة 165 حالة اختفى في خلالها الزوج، وما زال مصيره مجهولاً. وتبيّن من خلال تلك الإحصائية أنّ ثمّة سببَين أساسيَّين دفعا السوريات إلى الزواج من أجانب، الأوّل الجهل بنسبة 41 في المائة، والثاني التأثّر بالتطرّف بنسبة 36 في المائة. أمّا الأسباب الأخرى فتراوحت ما بين أسباب مادية وحبّ للسلطة.



تجدر الإشارة إلى أنّ النساء اللواتي أنجبنَ أطفالاً من مقاتلين أجانب يواجهنَ أزمة في تسجيل أبنائهنّ قانونياً، سواء أكان ذلك في المناطق التي تسيطر عليها فصائل مسلحة مدعومة من تركيا أم تلك التي تسيطر عليها قوات النظام السوري. ففي الحالتَين، من المطلوب توفّر وثيقة تبيّن تفاصيل هويّة الأب واسمه الصريح وجنسيته ودينه. في سياق متصل، أقرّ مجلس الشعب السوري قانوناً خاصاً بمجهولي النسب، عقب جدال واسع بين معترض لأسباب تتعلق بأنّ آباء هؤلاء الأطفال إرهابيّون وقد ارتكبوا جرائم، وبين موافق انطلاقاً من أنّ هذه المسألة تحوّلت إلى مشكلة مجتمعية تحتاج إلى حلّ، لا سيّما أنّه لا يمكن تحميل الأبناء أخطاء آبائهم، وأنّ على الدولة احتضان تلك الشريحة من المجتمع لتكون قادرة في المستقبل على المساهمة في بنائه.

المساهمون