زوبعة ترامب في فنجان نتنياهو

04 فبراير 2020
الصورة
لا ينطوي العنوان أعلاه على استخفافٍ بالواقعة التي جرت في البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي، ولا يستهين بقوة أميركا أو قدرة إسرائيل. كما لا تود هذه المطالعة أن تكون حاشية هجاء أخرى على متن مئات المقالات التي فاضت بها الصحافة العربية على مدى الأسبوع المنصرم (والحبل على الجرّار)، وهي لا تنتسب إطلاقاً إلى ثقافة الرفض العدمي، وسياسة الإنكار. ومُنشئها ليس من أصحاب الرؤوس الحامية، ومع ذلك، يعتقد جازماً أن خطة ترامب/ نتنياهو مجرّد كلام فارغ لا معنى له، وأن مصيرها الفشل المحتوم، ويدعو، في الوقت نفسه، إلى عدم الهلع والتطيّر إزاء مفاعيلها المحتملة، فهي، في التحليل الأخير، ليست أكثر من زوبعةٍ في فنجان، قد ينقشع غبارها بعد أشهر معدودات.
مثل هذه الرؤية الواثقة بصوابها، المتفائلة على الرغم من كل شيء، لا تعوّل كثيراً على فاعلية الاحتجاجات الشعبية، المقدّر لها أن تخمد شيئاً فشيئاً، ثم تتلاشى بطبيعة الحال، ولا تراهن على حوار الفصائل المتربصة ببعضها بعضاً إلى الآن، ولا تعقد آمالاً كباراً على مخرجات الاجتماعات العربية والإسلامية مع الأسف، وإنما تستند، من مبتدئها إلى خبرها، إلى قراءةٍ مبنيةٍ على حقيقةٍ بسيطة جداً، وبديهية للغاية، وهي أن الحركة الوطنية الفلسطينية، ذات التراث الكفاحي المجيد، لم تكن طرفاً في هذه الخطة المهينة، ولا هي في وارد القبول بها مهما كلف الأمر، سيما وأنها لا تعرض على المخاطبين بها سوى كناسة الكناسة لا غير.
إذ ليست هذه هي المرّة الأولى التي يدخل فيها الفيل الأميركي الضخم على متجرٍ من الخزف، فيحطّم كل ما فيه من بقايا آنية مهشّمة في الأصل، فما بالك والفيل الملاحَق بتحقيقات الكونغرس مصابٌ بالدوار، كما ليست هذه هي المحاولة الفريدة من نوعها، على مدى العقود السبعة الماضية، المحكومة بالإخفاق سلفاً، ولا الطريق القويم هو هذا هو الطريق المفضي إلى اللا شيء، المجرَّب من قبل، لانتزاع إمضاءٍ بالحبر الأزرق من ولي الدم، صاحب الحق الحصري، أو قل حق النقض، على الصك، فما بالك، أيضاً وأيضاً، أن ولي الدم لم يترك له اللصوص سوى سقط المتاع، إن لم نقل سوى شيك بلا رصيد، سحبه مفلس من حساب غيره، لصالح مستفيدٍ مدمنٍ على لعب القمار.
وهكذا، وبمثل هذا اليقين في مقاربة مآل هذه الصفقة، المخطط لها أن تحرم الشعب الفلسطيني، بجرّة قلم، من كل شيء ضحّى لأجله طوال عقود حافلة بالصبر والصمود وقوافل الشهداء، فإنه يمكن القول، باطمئنان، إن هذه الصفقة المعقودة بين اثنين في عائلة مافيا، يتقاسمان مالاً منهوباً، لن تفضي إلى أي جديد، ولن تغيّر من الواقع القائم بقوة الحديد والنار، لن تنشئ حقاً أو تمنح شرعية، أو تملي واقعاً مختلفاً عما كان، فالاحتلال سيبقى احتلالاً غير مشروع إلى أن يزول، وأصحاب الأرض باقون في أرضهم، يتكاثرون ويبنون ويتطورون، يزدادون وعياً وبأساً وتمكّناً وتمسّكاً بالحقوق، يرفعون من سويّة أدائهم، ويرتقون بقدرتهم على إدارة الصراع.
في المقابل، سيظل عدوهم اللدود، بعقله المغلق وبصره الكليل، يحبس أنفاسه ويتحسّب، على قلقٍ كأن الريح من تحته، عدوا يرى من الصورة الكلية ما يرغب في رؤيته فقط، يتوسّل الخرافات، يبني على الرمال، يعيش بحدّ سيفه، غير آمنٍ لا على يومه ولا على غده، على الرغم من كل ما لديه من قوة عسكرية هائلة، وتحالف استراتيجي مع القوة العظمى، وقنابل نووية وتكنولوجيات، لم تستطع كلها أن تجد جواباً شافياً لما يسمّيه المحتلون معضلة غزّة، ولم تتمكّن كل هذه العوامل مجتمعةً من منع شاب يقرّر، بمفرده، استلال خنجرٍ ضد دورية راجلة في القدس، أو التسلل إلى مستوطنة، أو ركوب شاحنة تجتاح مستوطنين على الطريق.
خلاصة القول، إن لم تكن هذه الصفقة كلاما فارغا، فهي كلام مليء بالكلام الفارغ، فلا دونالد ترامب هو القيصر الروماني قسطنطين، ولا هو الخليفة العباسي هارون الرشيد، يُقطع أحد ولاته العبرانيين بعضاً من ممتلكاته كيفما يشاء، ولأيّ سببٍ كان، بل على العكس تماماً، فالرجل البرتقالي في البيت الأبيض، تاجر العقارات الجاهل، يجود من كيس غيره بسخاء، ويمنح من لا يستحقّ أكثر مما كان يطمع به الطمّاع النهم اللئيم، ولعل نظرة على خريطة الدولة المقترحة، وما يتخلّلها من معازل تربط بينها طرقٌ وأنفاق وجسور لا حصر لها، يشير إلى استحالة تحقّقها على الأرض، حيث يحتاج تأمين سلامة المستوطنات ومجالها الحيوي، مثلاً، إلى مضاعفة عديد جيش الاحتلال ثلاث مرات على أقل تقدير.