زواج الأقارب في اليمن يبدأ بفرحة... وينتهي بإعاقة

24 يونيو 2014
الصورة
زواج الأقارب في اليمن قد ينتهي بأطفال معوّقين(فرانس برس/Getty)

كثيرة هي الدراسات التي تحذّر من الزواج بين الأقارب، إذ من شأن ذلك أن يؤدّي إلى ولادات مع أمراض وراثيّة متنحّية. وهو ما دفع ببعض الدول إلى "تحريم" هذا النوع من الزيجات في قوانينها، كذلك ثمّة أعراف في بعض المجتمعات من شأنها أن تضع ضوابط للحدّ من تلك الزيجات. لكن اليمن ليست من تلك الدول أو من تلك المجتمعات.    


محمد غالب، أب لثلاثة أطفال، يقول "تزوجت ابنة عمي لأني كنت أحبها. وكنت قد سمعت عن أضرار زواج الأقارب ولم أهتم. كنت أريد فقط أن أتزوّج ابنة عمي". يضيف "تزوجتها وعشت معها عاماً ونصف عام من أسعد أيام حياتي. لكني اليوم أدفع ثمن عدم إجراء فحوصات الدم قبل الزواج. فلدي طفلان يعانيان من إعاقات حركيّة وعقليّة".


محمد وولداه ليسوا حالة معزولة. فظاهرة زواج الأقارب شائعة في اليمن، وتصل نسبتها بحسب بعض التقديرات إلى خمسين في المئة، خصوصاً في المناطق الريفيّة. الأمر الذي قد يتسبب في أمراض وراثيّة وإعاقات دائمة تصيب الأبناء وتكلف الآباء أعباء اقتصاديّة ونفسيّة واجتماعيّة كبيرة.

 

أمراض وراثيّة

وتشير الإحصاءات إلى أن الأمراض الناتجة عن زواج الأقارب في اليمن كثيرة. وأوضحت دراسة صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل أن مليونَي يمنّي يعانون من إعاقات مختلفة. ويعتبر زواج الأقارب أبرز العوامل الرئيسيّة التي تتسبّب في تلك الإعاقات الناجمة عن أمراض وراثيّة متنحية.


وفي سياق متصل، أشارت دراسة يمنيّة حديثة إلى أن حالات الذين يعانون من الشفّة المشقوقة أو "الشفّة الأرنبيّة" وشق قبّة الحنك في اليمن بلغت 1100 حالة ما بين العامَين 2005 و2011. وأوضحت أن 48 في المئة من إجمالي الحالات يعود سببها إلى زواج الأقارب.


وفي وقت سابق، كشفت مؤسسة التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة أن سكان إحدى قرى محافظة حجة شمال اليمن، مصابون جميعهم بالعمى بسبب انتشار زواج الأقارب بين الأسر ورفض سكان القرى الأخرى الزواج منهم.


ويعتبر مرض التلاسيميا (أو فقر دم الحوض الأبيض المتوسط) أحد أكثر الأمراض الوراثيّة خطورة، ويحتاج المصاب بهذا المرض إلى علاج دائم بنقل الدم أو إلى عمليات زرع النخاع العظمي.


ويوضح المدير التنفيذي للجمعيّة اليمنيّة لمرضى التلاسيميا جميل الخياطي، أن "عدد المصابين بهذا المرض في صنعاء وبعض المحافظات بلغ ثلاثة آلاف و747 حالة، وأن 76 في المئة من إجمالي المصابين هم من والدَين ينتميان إلى الأسرة نفسها".

 

مهور أقل قيمة

وتختلف أسباب اللجوء إلى مثل هذا النوع من الزيجات ودوافعه. فيقول مقداد أحمد وهو أب لطفلَين ومتزوّج من ابنة عمه، "تزوجت ابنة عمي لعلمي أنها ستكون الزوجة الأكثر تفهماً لعاداتنا وتقاليدنا وطباعنا. وأنها ستتعايش مع وضعي المالي غير المستقرّ لأني ابن عمها".


من جهته، يرى محمد الزبيدي أن غلاء المهور هو أحد الأسباب الحقيقيّة التي تدفع الشباب إلى الزواج من الأقارب، على الرغم من معرفتهم المسبقة بالأمراض الوراثيّة التي قد تصيب أبناءهم الذين قد يرزقون بهم. ويشرح أن "المهور بين الأقارب أقل قيمة، مقارنة بالمهور التي تطلب عند الزواج من عائلات أخرى".

 

نقاء عرقي!

إلى ذلك، تحرص فئات مجتمعيّة على نقائها العرقي، كالهاشميّين وبعض القبائل الأخرى الذين كانوا يحظّرون الزواج من غيرهم. لكن هذه القاعدة تراجعت في العقود الأخيرة بشكل ملحوظ.


ويروي الحاج علي محمد "في صغري، عندما تقدّمت لخطبة فتاة في القرية التي أنتمي إليها، قوبلت بالرفض لأني لم أكن من الأسرة نفسها التي يقال إنها تتميّز عنّا بأشياء كثيرة. ومن ثم عرفت أنها تزوجت من ابن عمها". يضيف "كان هذا النوع من التعقيد منتشراً في السابق، أما الآن فلم نعد نسمع بكثرة عن التشدّد العرقي الذي كانت بعض الأسر تمارسه في السابق".


جهود للاحتواء

وتؤكد طبيبة الأمراض النسائيّة والتوليد في صنعاء سلوى الحمدي، على أن "مرض التلاسيميا من أكثر الأمراض الخطيرة التي تنتقل وراثياً عن طريق زواج الأقارب". وتوضح أنه "بإمكان الناس تفادي هذه الأمراض عبر الفحوصات المخصصة لها قبل الزواج، وبذلك يمكن تجنّب الأمراض الوراثيّة بعدم الاقتران، خصوصاً بالنسبة إلى حاملي المرض".


وفي إطار الجهود المبذولة لمواجهة هذه الظاهرة، يقول مدير إدارة الإعلام والتوعية في المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه منير الزبدي، إن "المركز كان يقدّم خدمة الفحص للراغبين في الزواج من الأقارب. لكن هذه الخدمة توقفت مؤخراً بسبب عدم توفّر المحاليل المخصصة لذلك".


ويشير الزبدي إلى أن الإقبال على هذه الخدمة كان "ضعيفاً لعدم وجود توعية حول أهميّة مثل هذا النوع من الفحوصات"، ويوضح أن "المركز ينتظر المحاليل وسيقوم بتوسيع الخدمة عن طريق الإعلان عنها عبر وسائل الإعلام".


وعن عدم توفّر مراكز متخصّصة كافية لإجراء مثل هذه الفحوصات الطبيّة، يقول الطبيب سامي عبد الله إن "ثمن أجهزة الفحص مرتفع ويصل أحياناً إلى 25 ألف دولار أميركي، بالإضافة إلى ندرة المحاليل وارتفاع أسعارها". ويلفت إلى أن المراكز والمستشفيات التي تقدّم هذه الخدمة قليلة ولا تفي بالغرض".

دلالات