زلزال كوريا الشمالية: إنذار الكارثة النووية ينتظر التفاوض

زلزال كوريا الشمالية: إنذار الكارثة النووية ينتظر التفاوض

04 سبتمبر 2017
الصورة
كيم يتفقد أجزاء من القنبلة المفترضة (فرانس برس)
+ الخط -
دقائق فصلت ما بين إعلان كوريا الشمالية، بعد منتصف ليل السبت ــ الأحد، عن امتلاكها رأساً حربية هيدروجينية يمكن وضعها على صاروخ بالستي عابر للقارات، وما يشبه الزلزال الذي أحدثته أكبر تجربة نووية ــ هيدروجينية كورية شمالية تحت الأرض "بنجاح تام" حسب إعلان التلفزيون الحكومي الشمالي فجر الأحد 3 سبتمبر/ أيلول 2017. هي سادس تجربة نووية منذ عام 2006، تاريخ تحول كوريا الشمالية إلى دولة نووية، والأولى منذ آخر زلزال نووي في 2016، ومن شأنها أن تعيد خلط أوراق الصراع في شبه الجزيرة الكورية، على اعتبار أن الخطوة الجديدة لحاكم بيونغ يانغ ترفع سقف التحدي ضد الغرب وضد اليابان وكوريا الجنوبية، لتضع إدارة دونالد ترامب أمام اختبار الرد الفعلي، أو فتح باب التفاوض السياسي عن طريق عرّاب كوريا الشمالية الأول وشريكها التجاري، أي الصين، ومن خلفها الحليف الأبعد، روسيا. وربما تكون كل من الصين وروسيا تحديداً على موعد مع اشتباك سياسي جديد مع الولايات المتحدة، بما أن الرئيس دونالد ترامب بات على عتبة إعلان وقف العلاقات التجارية مع أي بلد يقوم بأنشطة تجارية مع كوريا الشمالية بحسب ما كتبه على "تويتر" بعد اجتماع طارئ عقده مساء الأحد مع مساعديه، ذلك أن الصين وروسيا هما أكبر شريكين تجاريين لكوريا الشمالية.

وتفاوتت تقديرات قوة الزلزال بين 6.3 على مقياس ريختر و5.1، بين المراصد الصينية والأميركية والكورية الجنوبية واليابانية، لكن قلما تهم درجته، ذلك أن الرسالة النووية وصلت، ومفادها بأن كوريا الشمالية ذاهبة باتجاه التصعيد طالما أن الطرف الآخر، معسكر واشنطن ــ الغرب ــ طوكيو ــ سيول لم يقدم على خطوة أولى نحو التفاوض، وكأن بيونغ يانغ تدرك أن هذا المعسكر لن يتجرأ على الإقدام على الضربة الأولى وإلى خيار "الغضب والنار" بتعابير دونالد ترامب، طالما أن صحافته تعترف بأن تلك الضربة لن تكون قادرة على إبادة القوة الصاروخية والنووية الشمالية إلا بنسبة 95 في المائة بأحسن الأحوال، ما يعني أن هذه الخمسة في المائة المتبقية بعد الضربة المفترضة، من شأنها إلحاق الكارثة النووية أو "الكلاسيكية" بمناطق أميركية (أكان في البر الأميركي أو بجزيرة غوام الأميركية بأقل تقدير) أو بريطانية أو يابانية أو كورية جنوبية.


وأعلن المعهد الجيولوجي الأميركي أن الزلزال الذي يعتقد أن التجربة الهيدروجينية الشمالية تسببت به، كان بقوة 6.3 درجات ناتج عن انفجار هائل تحت الأرض على مسافة 24 كيلومتراً شمال شرق بلدة سونغ جيبيغام في محافظة هامغيونغ الشمالية المخصصة للتجارب النووية الشمالية منذ 2006. وحصل الانفجار النووي في الساعة 12,00 بتوقيت بيونغ يانغ (3,30 بتوقيت غرينيتش). وبحسب رئاسة أركان القوات الكورية الجنوبية، فإن "الهزة الاصطناعية كانت بقوة 5,6 درجات". وقالت الباحثة في المعهد الجيولوجي جانا بورسلي لوكالة فرانس برس "إنه انفجار أكثر مما هو زلزال" موضحة أن "هذا الحدث القليل العمق يشبه انفجاراً". كذلك أفاد المركز الصيني لمراقبة الزلازل عن هزة أرضية بقوة 6,3 درجات ناجمة عن "انفجار على ما يفترض" وقع على سطح الأرض. وأدت جميع التجارب النووية التي أجرتها كوريا الشمالية سابقاً إلى هزات أرضية رصدتها الوكالات الجيولوجية الأجنبية. وقدرت قوة الانفجار بـ100 كيلو طن، علماً أن الكيلو طن واحد توازي قوته ألف طن من متفجرات الـ تي أن تي، بينما التجربة الماضية في 2016 كانت قوتها 10 كيلو طن.


وتأخر الموقف الأميركي لساعات، قبل أن يغرد ترامب عن كوريا الشمالية "العدائية والخطيرة جداً" على حد وصفه. وكتب ترامب على "تويتر" أن "كوريا الشمالية أجرت اختباراً نووياً كبيراً. تصريحاتهم وأفعالهم لا تزال عدائية وخطيرة جداً للولايات المتحدة، وسياسة التهدئة حيال كوريا الشمالية لن تكون مجدية".

وكان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أول من علق على الحدث، وجاء رد فعله هادئاً نسبياً، إذ اعتبر أن تجربة نووية كورية شمالية سادسة "غير مقبولة إطلاقاً، وعلينا الاحتجاج بقوة". كلام تلا اتصالاً هاتفياً حصل بين آبي وترامب قبل ساعات من الإعلان عن الزلزال النووي، من غير المعروف ما إذا كان تمّ قبل الإعلان الشمالي عن امتلاك قنبلة هيدروجينية أو بعده. واجتمع مجلس الأمن القومي الياباني وجزم بحصول التجربة النووية، وقالت وزارة الدفاع اليابانية إنها أرسلت ما لا يقل عن ثلاث طائرات عسكرية من قواعد في اليابان لقياس الإشعاع النووي. أما الجيش الكوري الجنوبي فقد رفع فوراً درجة التأهب بما أن الانفجار الجديد أقوى بـ9,8 مرات من آخر تجربة نووية أجرتها كوريا الشمالية في مثل هذه الأيام من العام الماضي، تحديداً في التاسع من سبتمبر/ أيلول 2016، بمناسبة الذكرى السنوية للاحتفال بتأسيس الدولة.

والتجربة النووية الجديدة هي خطوة أخرى للأمام في محاولات كوريا الشمالية للحصول على صاروخ نووي قادر على الوصول إلى عمق البر الأميركي. ولم يكن لدى وزارة الخارجية الأميركية رد فعل فوري. ومنذ آخر تجربة نووية شمالية عام 2016، حافظت بيونغ يانغ على وتيرة قصوى في تجارب الأسلحة بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تقوم على اختبار الطيران، وأيضاً تحليق صاروخ قوي متوسط المدى فوق اليابان. وفي وقت مبكر من فجر الأحد، أظهرت الصور التي نشرتها حكومة كوريا الشمالية كيم يونغ أون يتحدث مع مساعديه حيث شاهد جهازاً فضي اللون يبدو أنه السلاح النووي الحراري المعد لصاروخ باليستي عابر للقارات. كذلك تمكن رؤية ما يبدو أنه مخروط أنفي الشكل لصاروخ بالقرب من القنبلة المزعومة في إحدى الصور، والتي لا يمكن التحقق منها نظراً لغياب صحافيين أجانب. وأظهرت صورة أخرى رسماً تخطيطياً على الجدار وراء كيم لقنبلة داخل مخروط. وأجرت كوريا الشمالية في يوليو/ تموز الماضي أول اختباراتها للصواريخ الباليستية النووية العابرة للقارات ويمكنها التحليق نحو عشر آلاف كيلومتر، وتشكل جزءاً من قفزة في البرنامج النووي والصاروخي للبلاد منذ وصول كيم إلى السلطة بعد وفاة والده في أواخر عام 2011. وقد شعر سكان المناطق الحدودية في شمال شرق الصين بالزلزال. ووصلت الهزة الى شانغشون التي تبعد أكثر من 400 كيلومتر عن النهر الذي يفصل بين الصين وكوريا الشمالية.


وكان لافتاً أن الإدانة الأشد لهجة للحدث، أتت من الصين التي "دانت بشدة" التجربة النووية الكورية الشمالية. كما سارعت وزارة البيئة الصينية إلى وضع خطة عاجلة للسيطرة على مستوى الاشعاعات على طول حدودها مع كوريا الشمالية بعد التجربة النووية الجديدة. وحثت وزارة الخارجية الصينية كوريا الشمالية على وقف أفعالها "الخاطئة، والتي لا تخدم مصلحتها"، بينما تحدثت اليابان عن احتمال فرض عقوبات جديدة على البلد الشمالي في حين أصرت سيول عبر رئاستها على ضرورة فرض "أقوى عقاب". وكان مجلس الأمن الدولي قد فرض الشهر الماضي عقوبات جديدة بالإجماع ضد كوريا الشمالية، من شأنها أن تضر جدياً بالاقتصاد الشمالي البالغ حجمه 40 مليار دولار فقط، والعقوبات الجديدة قد تخفض الإيرادات بقيمة مليار دولار سنوياً. وكانت موافقة الصين وروسيا على تمرير العقوبات رسالة قوية لبيونغ يانغ التي لطالما احتمت بفيتو هاتين الدولتين. أما الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فاعتبرت التجربة "مؤسفة جداً"، علماً أن كوريا الشمالية تمنع دخول خبراء الوكالة منذ عام 2006، تاريخ تحولها إلى دولة نووية. ولم تصدق على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية كل من الصين ومصر وكوريا الشمالية والهند وإيران وإسرائيل وباكستان والولايات المتحدة. أما الموقف الروسي، فكان بدوره حاداً، إذ أعلنت موسكو عن "أشد الإدانة" للتجربة الكورية الشمالية. واستمر بازار المواقف الدولية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي دعا إلى الرد "بأكبر قدر ممكن من الحزم". 


وعلى الرغم من كل هذه التطورات، ليس مطروحاً بعد خيار الرد العسكري ضد الشمال، وأقصى درجات التلميحات العسكرية وردت يوم الأحد في إعلان مجلس الأمن القومي الكوري الجنوبي عن أن الرئيس مون جاي إن سيناقش مع الإدارة الأميركية ضرورة نشر "تجهيزات أميركية" في كوريا الجنوبية لعزل إمكانية توجيه الشمال ضربة للجنوب، من دون توضيح ما هو المقصود بـ"التجهيزات الأميركية". وقد ارتفعت المبيعات العسكرية الأميركية لكوريا الجنوبية بشكل كبير في الأشهر الماضية، نتيجة ارتفاع حدة التهديد الشمالي، إلى درجة تدفع بالبعض إلى اعتبار أن واشنطن تتساهل في التعاطي مع الملف لأن السلوك الشمالي يخدم عملياً صناعاتها العسكرية والاقتصادية عموماً. وبدا كأن أسلوب الابتزاز المالي لا يزال مهيمناً على طريقة تعاطي ترامب مع كوريا الجنوبية، المهددة الأولى بالخطر الشمالي. فبعد السجال حول كلفة نظام الدرع الصاروخي الأميركي "ثاد" في كوريا الجنوبية، هدد ترامب، يوم السبت، بأنه ربما يلغي اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في حال لم يتم تعديله ليخدم أكثر المصلحة التجارية الأميركية، وهو ما فسر على نطاق واسع بأنه نوع من الابتزاز الذي قد يتم توظيفه في الملف الأمني، على اعتبار أن الخيارات الأمنية والسياسية الكبرى لإدارة ترامب، منذ تسلمه الحكم، تسير بموازاة المفاوضات الاقتصادية والتجارية حتى مع أكبر حلفاء واشنطن، مثل ملف تكاليف حلف شمال الأطلسي، ونظام "ثاد"، واتفاقية "نافتا" والعلاقات الأميركية ــ المكسيكية التي بات مصيرها رهن مَن يدفع تكاليف الجدار الحدودي.



ويترقب العالم تصرفاً صينياً يوازي رفض بيكين اندلاع أي حرب، لأسباب عديدة، منها أن ذلك قد يؤدي إلى موجة نزوح لعشرة ملايين كوري شمالي إلى الأراضي الصينية. ثم إن أي حرب ضد كوريا الشمالية لن تنتهي إلا بسقوط نظام الشمال وحلول نظام آخر حليف للولايات المتحدة بدلاً منه، وهو ما ترفضه الصين بدرجة رفضها انتشاراً أميركياً عسكرياً في بحر الصين الجنوبي، منطقة نفوذ بكين الرئيسية في جنوب آسيا. وقد بدأ التصرف الصيني المختلف يظهر عندما قررت بكين في أغسطس/آب الماضي، وقف عدد كبير من الواردات والصادرات والاسثتمارات، من كوريا الشمالية وإليها وفيها، من دون أن يجدي ذلك حتى الآن في ثني كيم يونغ أون عن رفع سقف تهديداته، وهو الذي لم يخرج في أي زيارة إلى الصين منذ توليه الحكم في 2011، على عكس والده كيم يونغ إيل الذي كان يتردد في زيارات رسمية إلى الصين. هذا وقد حملت التجربة الشمالية في طياتها أيضاً إحراجاً إضافياً للصين نفسها، والتي تستضيف قمة مجموعة البريكس، وكأن هذه هي طريقة الشمال في الترحيب بضيوف الصين، مثلما لاحظت وسائل إعلام أميركية في تغطيتها للحدث الكوري يوم الأحد.

والتجربة النووية الكورية الشمالية الأولى حصلت في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2006، في عهد كيم يونغ إيل، وكانت قوة التفجير 1 كيلو طن. أما التجربة الثانية فحصلت في 25 مايو/أيار 2009 بقوة تراوح بين 2 و6 كيلو طن، قبل تجربة 12 فبراير/ شباط 2013 (الأولى في حكم كيم يونغ أون) بقوة بين 6 و9 كيلو طن، تلتها تجربة 6 يناير/ كانون الثاني 2016 أيضاً بقوة بين 6 و9 كيلو طن، فتفجيرات 9 سبتمبر/ أيلول 2016 مع 10 كيلو طن، وصولاً إلى تجربة يوم الأحد 3 سبتمبر/ أيلول 2017 بقوة 100 كيلو طن.

المساهمون