زلازل في الأسر اليمنية

زلازل في الأسر اليمنية

12 سبتمبر 2017
الصورة
تأمين مستلزمات الحياة بات صعباً (العربي الجديد)
+ الخط -

"لم أرَ والدي متوتّراً وقاسياً في حياتي. لطالما كان حنوناً وباسماً على الدوام". هكذا يصف محمد حسن حال والده الذي تغيّر كثيراً منذ بدء الحرب في اليمن. الأوضاع المعيشيّة الصعبة الناتجة عن الحرب أدّت إلى زيادة مشاكل الأسرة، بحسب حسن. يقول لـ "العربي الجديد": "بعد مرور عام على الحرب، زادت مشاكل أسرتي. والدي يبقى منزوياً معظم الوقت على غير عادته"، وقد بات سريع الانفعال.

يؤكّد حسن أنّ والده، حاله حال غيره من الآباء في اليمن، لا يستطيعون تأمين احتياجات المنزل، بسبب عدم حصولهم على رواتبهم منذ أكثر من عشرة أشهر، ما انعكس على حياتهم سلباً. فقد زادت الشجارات، حتّى إن أحد أشقائه ترك المنزل أكثر من مرة بسبب خلافاته المستمرة مع والده.

يقول مواطنون يمنيّون إنّ الأوضاع المعيشية الصعبة أدّت إلى حدوث مشاكل كبيرة داخل الأسر، وقد وصلت إلى حد الانفصال أحياناً، على غرار ما حدث مع والدي خالد ح. اللذين انفصلا بعد أشهر من الخلافات بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة، وهو ما انعكس عليهما سلباً. ويوضح خالد: "بعد انقطاع الرواتب لفترة طويلة، لاحظنا تغيّر مزاج والدي، وقد بات دائم التشنج والانفعال، علماً أنه كان يشعرنا بالطمأنينة في السابق، إذ إنه ذو شخصية مرحة". يضيف أنه "وجد صعوبة بالغة في توفير احتياجات المنزل الضرورية، ما أدى إلى تراكم الديون".

يتابع خالد: "هذه الضغوط عكّرت مزاجه، وبات يلجأ إلى ضربي ووالدتي"، مشيراً إلى أن تكرار الأمر جعل والدتي تطلب الطلاق منه، وهو ما حدث فعلاً. أما أم ابتسام (32 عاماً)، فباتت حياتها مهددة بعدما قررت مغادرة منزلها بسبب المشاكل اليومية التي كانت تواجهها. عادت إلى منزل أهلها بعدما توقف زوجها عن القيام بواجباته الأسرية منذ أشهر طويلة. تقول لـ "العربي الجديد": "تراكم إيجار المنزل، ولم يعد زوجي يجرؤ على المجيء إلى البيت خوفاً من صاحبه الذي قدّم شكوى في قسم الشرطة مطالباً بالحصول على ماله". تضيف أنها تُركت وحدها لتواجه أصحاب المنزل، الذين قطعوا عنها المياه والكهرباء وضايقوا أولادها.




واضطرت أم ابتسام إلى بيع الملابس التي تحيكها لتأمين الطعام لأولادها، بعدما تهرّب زوجها من مسؤولياته، إلا أنها لم تتمكن من الاستمرار. "استسلمت لهذه الظروف الصعبة وتركت البيت الذي سكنت فيه على مدى عشر سنوات. ولم يسمح لي صاحب المنزل بأخذ الأثاث، واحتجزه إلى حين سداد بدل الإيجار". تقول إن هذا هو أسوأ ما تعرضت له في حياتها، لكن صدمتها الكبرى كانت في اكتشافها شخصية زوجها الذي فشل في مواجهة أعباء الحياة، مثل بقية الرجال. واليوم، لم تعد ترغب في العودة إليه.

إلى ذلك، تؤكد الباحثة الاجتماعية أسماء محمد أن الأوضاع المأساوية التي خلفتها الحرب أثرت على استقرار وتماسك عائلات كثيرة. وتشير إلى أن الشجار بين الزوجين بشكل خاص، وأفراد الأسرة بشكل عام، زاد خلال السنوات الثلاث الماضية، خصوصاً في المدن، ما أدى إلى زيادة نسب الانفصال وتشتّت أفراد الأسرة. تضيف لـ "العربي الجديد": "يُعدّ الفقر من أهم أسباب زيادة مثل هذه الحالات، من جراء انقطاع الرواتب وارتفاع الأسعار وانعدام فرص العمل"، مؤكدة أنه ما من أسرة يمنية لم تمر بمشاكل بسبب الوضع الجديد.

تتابع محمد أن زيادة الالتزامات والضغوط، والإحساس بالعجز، يجعل رب الأسرة يعيش في حالة من عدم الاستقرار النفسي، ما يؤدي إلى نوبات غضب غير مبررة تجاه الآخرين. كذلك، فإن "عدم حصول أفراد الأسرة أيضاً على احتياجاتهم المعتادة، يؤدي إلى الشعور بالتعاسة والإحباط، ما يجعل أجواء الأسرة بشكل عام مشحونة بالتوتر والقلق، وهذه بيئة خصبة لاندلاع المشاكل".

تماسك في الحرب

تؤكد الباحثة الاجتماعية أسماء محمد أنّه في ظروف الحرب، تعمد بعض العائلات إلى مساعدة بعضها بعضاً، ما يعزّز التماسك ومواجهة المخاطر والأعباء الاقتصادية. "على سبيل المثال، بعض الأسر الكبيرة بدأت تتناول وجبة الغداء في وقت واحد بهدف الاقتصاد في الطعام، وتوفير غاز الطهي". ومن أشكال التقارب بين أفراد الأسر حرص بعض الآباء والأمهات على تناسي مشاكلهم لمواجهة الأوضاع المعيشية الصعبة.