زعبي لـ"العربي الجديد": إرادة الشعب الفلسطيني الورقة الأقوى بالنضال

حنين زعبي لـ"العربي الجديد": إرادة الشعب الفلسطيني الورقة الأقوى بالنضال

13 ابريل 2018
الصورة
زعبي: مسيرات العودة تعيد الأمل للشعب(صالح زكي فزلي أوغلو/الأناضول)
+ الخط -


في خضم أحداث متسارعة تشهدها الأراضي الفلسطينية، من التهديدات المتصاعدة بتصفية القضية، خصوصاً في سياق تحرك الإدارة الأميركية، إلى المصالحة الوطنية التي لا تزال تواجه عراقيل عدة، وصولاً إلى مسيرات العودة التي سقط فيها نحو 30 شهيداً وآلاف الجرحى تحت أنظار العالم، تتحدث النائبة في الكنيست عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، حنين زعبي، لـ"العربي الجديد"، عن هذه التطورات وغيرها، موجّهة انتقادات حادة للمجتمع الدولي وعلى رأسه الأمم المتحدة إزاء صمته عن ممارسات الاحتلال المستمرة من قمع الفلسطينيين وقتلهم ومصادرة أراضيهم. تصريحات زعبي لـ"العربي الجديد"، جاءت على هامش مؤتمر صحافي لها في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث استضيفت بدعوة من رابطة مراسلي الأمم المتحدة خلال جولتها الأميركية التي تقوم بها حالياً في مدن عدة لإلقاء محاضرات حول الوضع في فلسطين، بدعوة من منظمات فلسطينية - أميركية.

العودة إلى الشعب
انطلاقاً من التطورات على الأرض ومسيرات العودة التي يشهدها قطاع غزة، ترى زعبي أن "إسرائيل تجد صعوبة شديدة في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، وهذا ما يفسر العنف الشديد الذي تستخدمه لقمع المسيرات السلمية"، مشيرة إلى أن "إسرائيل قالت إنها لن تسمح لتلك المسيرات بالانتشار، حتى قبل أن تبدأ، بغضّ النظر عن الشكل الذي ستتخذه تلك المسيرات وما إذا كانت ستبتعد عن مسارها الشعبي والسلمي، فالهدف هو عدم السماح باستمرارها وتوسعها وانتشارها إلى بقع أخرى بأي شكل من الأشكال". وتعتبر أن "إسرائيل لا تستطيع التعامل مع احتجاجات أو تحركات شعبية حاشدة كبيرة العدد، خصوصاً إذا كانت تلك المسيرات غير محددة بزمن معين أو كان لها مسار زمني طويل".

وحول المطلوب على الصعيد الفلسطيني من أجل تقوية تلك المسيرات الشعبية في غزة، تقول زعبي إنه "في ظل انسداد الأفق السياسي فلسطينياً، وذهاب العالم العربي الرسمي إلى التنسيق المباشر مع إسرائيل واعتبارها حليفاً استراتيجياً في المنطقة، فعلى الفلسطينيين العودة إلى الورقة الأقوى، وهي شعبهم وإرادته وقدرته على النضال والتضحيات"، مضيفة: "هذا يعني أن هذه الخطوة يجب ألا تنحصر في غزة، فرد الفعل الطبيعي والحد الأدنى من التفاعل المطلوب هو أن تقوم الضفة الغربية بحشد مسيرات مشابهة، تعيد القضية الفلسطينية من الهامش إلى المركز على الصعيد العربي والدولي، إذ إن الأنظمة العربية القامعة، وليس فقط تلك التي تسعى للتطبيع مع إسرائيل، بل كذلك تلك التي لا تتعامل حتى مع إسرائيل لكنها مشغولة بقتل شعبها، قامت بتهميش القضية الفلسطينية".
وترى النائبة في الكنيست أن "هذه المسيرات تعيد قناعة الشعب الفلسطيني بقوة إضافية لم يستخدمها منذ مدة، وربما تشابه طريقة اكتشاف الفلسطينيين لقوتهم الشعبية خلال الانتفاضة الأولى، وبوسع هذا الحراك أن يخلق ديناميكية جديدة، تفرض ضغطاً شعبياً حتى على قضية المصالحة".

أما عن تأثير مسيرات العودة في غزة على المشهد السياسي الفلسطيني بأكمله، فتقول زعبي إن "هذه المسيرات تعيد أولاً الأمل للشعب الفلسطيني، وتخرجه من حالة إحباط وقلة حيلة أدخلته إليها السلطة الفلسطينية قصداً، مع تعاملها مع حق المقاومة كعنف، كما أن هذه المسيرات هي قوة تأثير وضغط لتغيير المسار السياسي للسلطة وإجبارها على إعادة النظر في استراتيجية الاستكانة لموازين القوى والارتباط بتفاهمات مع إسرائيل والولايات المتحدة، أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه، كذلك فإن هذا الحراك الشعبي قد يفرز قيادات ميدانية جديدة داخل الفصائل الحالية وخارجها، وهذا ما يحتاجه شعبنا أكبر احتياج، كما أن النزول إلى الشارع من شأنه تطوير رؤية سياسية مرافقة لهذا المسار الشعبي وداعمة له، يصحح أخطاء وخطايا المسار السياسي الذي قادنا حتى الآن".

وتوضح أن "ما نشهده حتى الآن هي أهداف غير مبلورة بما يكفي على المدى البعيد، على الرغم من الحديث عن إنهاء الحصار والعودة"، مضيفة أن "المهم الآن، ليس فقط انضمام أعداد أكبر وعلى بقع أوسع من فلسطين، بل تضمين تلك المسيرات رؤية ومطالب سياسية واضحة، وعلى هذه الرؤية أن تشمل أيضاً مطالب موجّهة للسلطة ولحركة حماس كذلك، تتعلق بالتعامل الجدي مع المصالحة".

المصالحة ومستقبلها

موضوع آخر يشغل الساحة الفلسطينية اليوم، وهو المصالحة الوطنية، وعن هذا الملف تقول زعبي "ندرك أن السلطة الفلسطينية غير معنية بشكل جدي بالمصالحة، كونها تدرك أن المصالحة لا تعني فرض سيطرتها على غزة فقط، بل تعني الوحدة الوطنية على أساس إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتمثّل كافة الفصائل الفلسطينية بما فيها حماس، وعلى أساس مشروع وطني يعيد تعريف القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وليس كقضية دولة وحدودها، مما يُخرج السلطة من أوهام الدولة والتعامل الدبلوماسي الذي تهواه، والامتيازات الاقتصادية وحرية الحركة والمنافع الأخرى المرتبطة بكل ذلك". وتعتبر أن "السلطة ما زالت تنظر إلى كل تحرك من باب تعزيز نفوذها وسيطرتها على شعبها وليس على عدوها الصهيوني، وهذا ما يفسر توجّهات تضرب المصلحة الوطنية، مثل فرض العقوبات على غزة، فما يحدث يكاد لا يصدّق"، مضيفة أن "النجاح الشعبي لهذا الحراك يعني المطالبة بأفق سياسي جديد، يتضمن وقف التنسيق الأمني وإعادة التفكير بمسارات النضال الفلسطينية الجديدة".

الموقف العربي والخطوات الممكنة
أما بالنسبة لموقف الشارع العربي أو الغربي من القضية الفلسطينية، فترى زعبي أن "الشعوب العربية تتبنّى وجدانياً القضية الفلسطينية، ولو تُرك الخيار لها ولو امتلكت قرارها، لما كنّا نغرق في حضيض موازين القوى"، متابعة: "نحن نُضعف أوراق قوتنا ونتحجج بموازين القوى، نحن نهمّش القوة النضالية لشعوبنا ونختار التبعية بدل استقلال قرارنا السياسي ونخلق ميزان قوة ليس في صالحنا ثم نتحجج به، كأنه معطى من الطبيعة وننسى أننا صنعناه بأيدينا، ننسى أن قضايا التحرر الوطني مرتبطة بإرادة الشعوب واستقلال القرار السياسي لقياداتها".

وتضيف: "علينا ألا نتحجج بأن العالم العربي لا يقف معنا، على الأقل ليس قبل أن نستثمر أوراق قوتنا الذاتية إلى الرمق الأخير، قوة شعبنا عندما يخرج إلى الشارع، التضحيات اللامحدودة وقدرته البطولية على الصمود وتحمّل سقوط الضحايا، استعداد شعبنا لدفع ثمن النضال بالتضحيات"، مشددة على أن "هذه قوة استراتيجية أولى لأي نضال تحرري، لكننا نهدرها بأداء سياسي عقيم وبائس، وبسياسات انهزامية ومصالح فئوية وشخصية هي التي تجعلنا عرضة لتأثير الآخرين وتحكّمهم بقرارنا السياسي، وهذا ما يخلق (ميزان قوى) ليس في صالحنا، فنضالنا يحتاج لقيادة تليق به".


وتعطي زعبي مثالاً بالإشارة إلى الأوضاع التي تواجهها القدس المحتلة، قائلة: "إذا نظرنا إلى القدس فإنه لا وجود للسلطة تقريباً هناك. أهل القدس متروكون يتامى في مواجهة إسرائيل وفي حالة حصار كذلك، وبتر كامل عن الضفة، مخدرات وتفكك أسري، أهل القدس في ديون الضرائب اليومية، والترهيب السياسي وإغلاق المحلات، وبتر أحياء كاملة عن البلدة القديمة، واعتقالات يومية وسحب هويات، وسرقة بيوت داخل البلدة القديمة وسلوان، واقتحامات لا تتوقف، ناهيك عن عدم إعطاء رخص بناء إلا لـ25 في المائة من الحاجة السكانية"، مستدركة: "على الرغم من ذلك، أنظروا إلى ما فعل الشباب في قضية البوابات الإلكترونية وإصرارهم وتمكّنهم من التغلب على الإحباط والشعور بقلة الحيلة، فعندما كان هناك هدف محدد وواضح، ومعركة معرفة، أصبح الأمر يختلف كلياً"، معتبرة أنه "عندما تكون الأهداف واضحة، والقناعة بعدم تقويضها داخلياً أو ذاتياً، يقرر الشارع تفعيل قوته وينجح".

وتؤكد النائبة عن "التجمع الوطني" أن "هناك خطوات ليست مستحيلة بوجود إرادة سياسية، تستطيع أن تنقلنا إلى نقطة استراتيجية مغايرة، منها وعلى رأسها: إتمام المصالحة على أساس مشروع وطني جامع، وقف التنسيق الأمني، وتفعيل مسار المحكمة الجنائية الدولية"، معتبرة أنه "حتى من يقول إنه يعتمد المسار الدبلوماسي والدولي، وليس النضالي، فهو لا يأخذه بجدية، فعشرات الملفات مجمّدة وتحركها بطيء بشكل مقصود، منها ما يتعلق بجرائم الاستيطان والمستوطنات، وسجن الأطفال والاعتقالات والحصار وجدار الفصل العنصري، وغيرها". وتضيف: "هذا أفق سياسي مطروح في حال توفرت الإرادة السياسية له، وضروري، لأن زخم الحراك والنضال الشعبي يحتاج أن يؤطّر ضمن مفهوم وأهداف سياسية واضحة".

المطلوب داخلياً
بالانتقال إلى ما هو مطلوب من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 والدور الذي تقوم به القيادات هناك، وهل من ضرورة لمسيرات شعبية والعمل على الأرض من أجل دعم مسيرات غزة، تقول زعبي في هذا السياق: "مضطرة للاعتراف بأن الشعور والوجدان الشعبي عند الفلسطينيين في الداخل متقدّم أكثر من رؤيتنا نحن كقيادات سياسية في الداخل، وقد فشلنا في خلق إجماع حول سقف تحدي السياسات الإسرائيلية، بما في ذلك الانضمام السريع والخالد للمسيرات الشعبية، ونحن مختلفون حتى على ذلك، وهذا الاختلاف يضعفنا سياسياً، فأنا لا أرى ذلك كما يراه أو يريد أن يراه آخرون، جزءاً من تعددية سياسية". وتضيف أن "هناك مشاعر غضب تتعلق بعدم ترجمة التعاطف والاستعداد الشعبي إلى سلوك سياسي ملائم، فقد اكتفت لجنة المتابعة العليا، وهي عبارة عن الجسم السياسي الأعلى الذي يمثّل كل الأحزاب والحركات السياسية الفلسطينية في الداخل، بإقرار مسيرة في سخنين، بدل القرار الصائب الأدنى، بتسيير قوافل وحافلات إلى الحدود مع معبر إيرز، وهو قرار تم تأجيله".

أما بالنسبة لضعف الاستجابة في الضفة الغربية المحتلة، وخروج مسيرات شعبية في السنوات الأخيرة وليس فقط مسيرات تنضم إلى مسيرات غزة الشعبية، تلفت زعبي إلى أن "تفسيري هو ليس لضعف في الاستعداد الشعبي، وإنما أولاً لتحكّم السلطة في الأجواء العامة، فهي غير معنية بحراك شعبي تعرف كيف يبدأ ولا تعرف كيف ينتهي، وثانياً لعدم وجود أفق سياسي للناس، وعدم قناعتهم بأن هناك من سيتلقف هذا الاحتجاج الشعبي ويترجمه ويستثمره في عمل سياسي ونضال سياسي مثمر". وتشير إلى أن "شعبنا يعرف أن السلطة الفلسطينية تضع مصلحتها فوق المصلحة الوطنية، وأنها أوصلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى حالة شلل تام، والسلطة باتت الآن فوق منظمة التحرير وليس العكس"، مضيفة: "عندما تقول أخرج للتظاهر أو لأي حراك سياسي، يأتي السؤال ماذا بعد الخروج للتظاهرة، وما هو هدفها؟ هل ستكون هناك إعادة حسابات وإعادة النظر في هذا المسار؟ لماذا أخرُجُ إلى الشارع وأنت تنسق مع إسرائيل أمنياً؟ لماذا أخرجُ وأنت تعتقل أو تهمش أو تُقصي من قد يمثل بديلاً سياسياً نضالياً؟"، معتبرة أن "الناس لا تريد الخروج لتنفيس الغضب وتصريف الاحتقان، بل لإحداث تغيير حقيقي، وهي غير مؤمنة بإمكانية ذلك للأسف، هي غير مؤمنة بأنها تستطيع فرض التغيير بمجرد الجهر برأيها الصريح في ما يجري، ومعظم صفوف فتح الوطنية والنظيفة تعترض على ما يجري، ولتقل كلمتها، وعندها ستعيد اكتشاف قوتها التي فقدتها منذ زمن".

أمام هذا الواقع، يبرز سؤال عن كيفية الوصول في كل أنحاء فلسطين، إلى رؤية جامعة واحدة وواضحة، وفي هذا السياق تقول زعبي إن "هذه العملية تحتاج إلى بناء تدريجي وفرز قوى جديدة على الساحة السياسية، لكنها تحتاج أولاً لوضوح رؤية ولجرأة على الجهر بما نريده وبما لا نقبل به"، معتبرة أن "الأداء الفلسطيني السياسي الحالي هو جزء من المشكلة، ولا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال جزءاً من الحل، فالانتفاضة على واقع الاحتلال الإسرائيلي يجب أن ترافقها انتفاضة على الأداء السياسي الرسمي الحالي".

مقاطعة العملية السياسية

في العودة إلى الداخل الفلسطيني، بعد سبعين سنة من نكبة فلسطين وبعد كل هذه السنوات من الحديث عن العمل لتغيير الدولة الكولونيالية من خلال أنظمتها والانخراط في العمل البرلماني، يطرح البعض مقاطعة الترشح والاشتراك في الكنيست الذي أثبت عدم جدواه ويستغله الاحتلال الإسرائيلي بكل الطرق الممكنة، وعن هذا الأمر تشرح زعبي: "بالنسبة لي ليس وجودك أو عدمه هو ما يحكم كيف تخدم القضية وكيف تستفيد إسرائيل منك، بل إن السؤال هو حول أدائك وتوظيفه السياسي، هل هذا الأداء مضبوط بالسقف الإسرائيلي أم أنه أداء ينقل الوظيفة من قناع يخدم الديمقراطية الإسرائيلية، إلى تحدٍ للمشروع الصهيوني؟". وتؤكد أن "هناك مخاوف في أن زيادة التقييدات البرلمانية، بما فيها قانون الإقصاء وقانون طرد أعضاء الكنيست بسبب تصريحات ومواقف سياسية، قد تطور رقابة داخلية أي ذاتية تجعلنا نتنازل عن الأداء المتحد الذي نؤمن به، ونتبنى أداءً غير مستفز بذريعة أننا لا نريد عزل أنفسنا عن الشارع الإسرائيلي، وأننا نريد التأثير عليه، غير مدركين أنه بهذا المنحى هو من يؤثر علينا وليس نحن. أوافق أننا أمام خطر الاحتكام للسقف الإسرائيلي في أدائنا البرلماني".

بالتالي لماذا لا تتم مقاطعة الكنيست بشكل كامل من قبل فلسطينيي الداخل وعدم خوض الانتخابات، تجيب زعبي على ذلك بالقول: "أنا مع نقاش وطرح خيار المقاطعة الكاملة للكنيست. لكن قراءة الواقع السياسي في الداخل تجعلنا نشخّص أن هذا الموقف بعيد الآن عن الإجماع السياسي"، مضيفة: "هناك توجّهات تتعامل مع الوجود السياسي والتمثيل البرلماني كهدف وليس كوسيلة، ونحن نتعامل بجمود مع وسائلنا النضالية عندما نكون بأمسّ الحاجة للإبداع فيها، وأنا أؤمن بأنه علينا أن نطور أفاقاً جديدة للنضال، لكن على هذا ألا يعني إهمال الوسائل التقليدية، التظاهرات والاحتجاجات والإضرابات"، معتبرة أن "كل ذلك لا يؤتي نتائجه الكافية ليس لأننا نعوّل عليه، بل لأننا لا نعطيه حقه الكامل ولا نستنفده تماماً، ولا نستنفده ضمن رؤية سياسية شمولية متحدية، هذا الأمر نستطيعه، نحتاج فقط الإرادة السياسية لذلك، ويبدو أن (فقط) هذه، غير موجودة حالياً".

المساهمون