زخم إضافي لتظاهرات العراق... والحكومة تعزز آلة القمع

28 أكتوبر 2019
الصورة
أعلن طلبة الجامعات انخراطهم في التظاهرات (فرانس برس)

وفقاً لأرقام رسمية عراقية، فإن عدد ضحايا التظاهرات في العراق، منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول الحالي ولغاية الرابعة من مساء أمس الأحد، بلغ 212 قتيلاً، بواقع 149 ما بين 1 و8 أكتوبر، و63 بين 25 و27 من الشهر ذاته، وهي أرقام لجنة التحقيق الحكومية الرسمية ومفوضية حقوق الإنسان العراقية. في هذا الوقت، ارتفع عديد المصابين في الفترة ذاتها إلى قرابة ثمانية آلاف إصابة، أكثر من نصفها حالات اختناق بالغاز وغادرت المستشفيات، بينما الأخرى بواسطة الرصاص الحي والمطاطي والدهس. وتتراوح أعمار الضحايا الذين قتلوا بالتظاهرات بين 14 عاماً، وهو فتى من ذي قار، وحتى 43 عاماً لأحد سكان عشوائيات منطقة الصدر شرقي العاصمة بغداد. وتأتي العاصمة العراقية بغداد وذي قار والبصرة وميسان في صدارة عدد الضحايا.

ولا يبدو أن الحكومة العراقية بصدد تخفيف آلة القمع بأي شكل من الأشكال، فعمليات الدفع بقوات إضافية، من الجيش والشرطة، زادت، وأضيف إليها للمرة الأولى دخول جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، الذي ظل بعيداً عن ملف التظاهرات طيلة الفترة الماضية، وهو الجهاز المحسوب على القوات الأميركية لجهة التدريب والتسليح، وتلقى أغلب أفراده دورات تخصصية في الأردن والولايات المتحدة في السنوات الماضية. وأعلن الجهاز، في بيان، استجابته لتوجيهات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي "بالمشاركة في حفظ أمن المنشآت السيادية والحيوية" ما وصفها البيان بـ"عبث عناصر غير منضبطة، مُستغلة انشغال القوات الأمنية في حماية التظاهرات والمتظاهرين".

في المقابل، فإن التظاهرات العراقية التي تدخل يومها الرابع، بعد استئنافها الجمعة الماضي إثر توقفها لنحو أسبوعين بسبب إحياء مراسم أربعينية الإمام الحسين، يبدو أنها تتجه إلى اتساع إضافي، مع إعلان طلبة الجامعات انخراطهم فيها، وذلك بعدما كانت الأيام الماضية قد سجلت ارتفاعاً تدريجياً في عدد المتظاهرين في بغداد والجنوب، واتساع التظاهرات إلى مناطق أخرى بعد قطع القوات الأمنية الطرقات للوصول إلى ساحات التظاهر الرئيسية، ما ساعد في ولادة ساحات ومناطق تجمّع أخرى جديدة، ليدخل أخيراً طلاب الجامعات والمعاهد والثانويات على خط التظاهرات، عبر تنظيم اعتصامات داخل الحرم الجامعي وتظاهرات في ساحة التحرير مع باقي المتظاهرين.

في المقابل أعلنت كتلة "سائرون" التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر تحولها إلى كتلة معارضة برلمانية، معلنة اعتصاماً مفتوحاً داخل البرلمان إلى حين تنفيذ الإصلاحات التي وعد بها رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، بحسب بيان للكتلة صدر فجر أمس الأحد. وتواصل "العربي الجديد" مع أحد النواب المعتصمين في البرلمان، وهو رعد المكصوصي، الذي قال إن "عبد المهدي يتحمّل مسؤولية استشهاد 250 متظاهراً وجرح 7 آلاف آخرين، واليوم نعمل على جلسة برلمانية من أجل استجواب رئيس الحكومة وتحميله مسؤولية القمع الذي تعرّض له المحتجون"، مشدداً على أن "تحالف سائرون يدعم مطالب المتظاهرين جملة وتفصيلاً، ونحن مع إقالة الحكومة الحالية لأنها فشلت فشلاً ذريعاً في احتواء كل الأزمات التي مرت على البلاد خلال عام كامل. وسنعمل خلال الأيام المقبلة على إصلاحات حقيقية تخدم الشعب، وتعديل بعض فقرات الدستور التي من المؤمل أن تغيّر مستقبل العملية السياسية".



ومع لجوء "سائرون" إلى المعارضة، وبوجود تيار "الحكمة" التابع لعمار الحكيم في المعارضة منذ أشهر، فإن عدد النواب المعارضين في البرلمان بات 72 نائباً، أي ما يُمثل ربع عدد الأعضاء وهو 329. وكشفت قيادية في "ائتلاف النصر" التابع لرئيس الحكومة السابق حيدر العبادي، أخيراً، عن "وجود نيّة لدى النصر باللجوء أيضاً إلى المعارضة بشكل علني، والالتحاق بكتلتي سائرون والحكمة"، وهو ما يعني ارتفاع عدد نواب المعارضة إلى نحو المائة.

من جهته، أشار رئيس تجمّع "كفى" السياسي رحيم الدراجي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "إعلان الكتلة السياسية اللجوء إلى المعارضة ينطلق من القصور في الأداء السياسي للحكومة العراقية، وبالنتيجة هذه المعارضة ولدت حتى تكون ضد السلطة، وضد تصرفات الحكومة، خصوصاً بعد أن تحولت الديمقراطية في العراق إلى ديكتاتورية". واعتبر أن "الشعب العراقي نجح في إجبار سائرون على اللجوء إلى المعارضة، وتبنّي مطالبه، وهو دليل على نجاح التظاهرات القائمة"، مضيفاً "أعتقد أن كتلة سائرون، وحتى تيار الحكمة، وقد تشارك معهما كتلة جديدة وتلجأ للمعارضة، ستتبنى مطالب المتظاهرين، وتعمل على إقالة عبد المهدي وحكومته. وتبقى الأحزاب التي تساند الحكومة وقمعها للمتظاهرين في خانة الإجرام وعدم الاكتراث للدم العراقي".

أما عبد المهدي فأسرع في تعيين متحدثين إعلاميين، الأول هو سعد الحديثي، والثاني المسؤول الأمني السابق في حكومة نوري المالكي، عبد الكريم خلف متحدثاً باسم مكتب القائد العام للقوات المسلحة، وهو ما اعتُبر تحركاً من رئيس الوزراء لمواجهة الانتقادات والاتهامات المتصاعدة له بالقمع الدموي للتظاهرات منذ أيام، ومحاولة إخمادها بأي صورة. وسط استمرار ترويج قادة الأمن والشرطة في الجنوب العراقي لنظرية المؤامرة ووقوف إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية وراء التظاهرات مع التلويح بورقة تنظيم "داعش"، كما فعل قائد شرطة البصرة الفريق رشيد فليح الذي عقد مؤتمراً صحافياً تحدث فيه عن دخول "داعش" إلى البصرة لاستغلال التظاهرات من أجل ضرب أمن المدينة، وهدد مجدداً بالاعتقالات للمتظاهرين.

إلى ذلك، رأى المحلل السياسي والباحث العراقي واثق الهاشمي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "الشركاء السياسيين الذي اتفقوا على عبد المهدي قبل سنة ليكون رئيساً للوزراء، يبحثون حالياً عن كبش فداء ليضحوا به من أجل التخلص من ضغط المتظاهرين، وهذا ما تعمل عليه سائرون والكتل الأخرى التي باركت جهود عبد المهدي خلال الأشهر الماضية، ثم غيّرت رأيها مع بداية عهد التظاهرات". وأوضح أن "تحالف الفتح (الحشد الشعبي) وما يحوي من فصائل مسلحة وكيانات مساندة لعبد المهدي، ستبقى إلى جانب رئيس الحكومة الذي أعلن أنه لن يستقيل في الظروف الحالية". وأكد الهاشمي أن "بقاء عبد المهدي متمسكاً بالسلطة، سيدفع الأوضاع إلى المزيد من التأزيم على المستويات الأمنية والسياسية، خصوصاً مع انتشار جماعات مسلحة في الجنوب، وتطور التظاهرات إلى مشاركة طلبة المدارس والمعاهد والجامعات".

في غضون ذلك، دعمت الجماهير الطالبية، لليوم الثاني على التوالي، المتظاهرين في بغداد ومحافظات الجنوب والوسط، تحت شعار انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي "ماكو وطن... ماكو دوام"، بمعنى عدم وجود وطن محترم يعني أن لا فائدة من الدراسة، وهو ما يشير إلى زيادة كبيرة ستكون في أعداد المتظاهرين خلال المرحلة المقبلة، في حين غاب حضور النقابات وكوادرها عن الساحة. وعن ذلك، قال عميد كلية الإعلام في جامعة بغداد هاشم حسن، لـ"العربي الجديد"، إن "الجامعات في العراق حرصت منذ عام 2003 على أن تكون بعيدة عن التجاذبات السياسية والدينية، ومنعنا أن تكون ورقة للصراعات، لكننا نؤمن بوعي الطلبة". ولفت إلى أن "مشاركة الطلبة في التظاهرات خارج أسوار الجامعة لا تحتاج إلى ترخيص رسمي من وزارة التعليم، لأن الطالب له حرية التعبير عن رأيه وتوجهاته وآرائه السياسية، طالما أنها خارج الجامعة. ونحن مع التظاهر السلمي والمدني، لأننا جزء من المجتمع وطبيعته. كما أننا نرفض كل أشكال الفساد، ونعمل على أن يكون الطالب أداة لتثقيف المتظاهرين".

في هذه الأثناء، تبدو العلاقة بين المدن الجنوبية العراقية مع العاصمة بغداد بمثابة الوقود المحرك للتظاهرات، فاستمرارها في بغداد يعني أن الجنوب سيستمر بالخروج والتظاهر، إذ شهدت ذي قار والقادسية وبابل والبصرة والنجف وكربلاء وميسان والمثنى وواسط تظاهرات واسعة تركزت عند ساحات المدن العامة والشوارع الرئيسية، كساحة الحبوبي وساحة الخيول وساحة العشار والتربية في تلك المدن، بينما ما زالت المدينة القديمة في النجف، التي تضم مرقد الإمام علي بن أبي طالب، مغلقة أمام المتظاهرين الذين لم يصلوا إليها من الأساس لقدسيتها، والأمر نفسه بالنسبة لكربلاء التي تركزت التظاهرات فيها خارج محيط مرقد الإمام الحسين والحوزات الدينية الموجودة في المدينة. وشهدت ذي قار حملة اعتقالات واسعة تجاوزت، بحسب وصف أحد الناشطين، المعقول، إذ اعتُقل 11 مدوناً وناشطاً، من بينهم شاعر أسهم في نظم قصائد و"هوسات"، وهو الهتاف الذي يردده المتظاهرون. كذلك اعتُقل متظاهرون في ميسان والبصرة ليرتفع معها عدد المعتقلين إلى نحو 150 متظاهراً. كما شهدت المحافظات ذاتها، إضافة إلى بغداد، إقالة مدراء مدارس ثانوية ورؤساء دوائر اعتُبروا متواطئين في خروج موظفين وطلاب مع التظاهرات في بغداد ومدن جنوبية صباح أمس الأحد. وبحسب مسؤول عراقي عسكري في بغداد، فإن ثلاثة ألوية عسكرية وقوات أمن تتبع وزارة الداخلية انتقلت من نينوى وصلاح الدين إلى الجنوب بتوجيهات حكومية، وكانت وجهة أغلبها البصرة وميسان بسبب مخاوف من مواجهات بين عشائر في المحافظتين وفصائل مسلحة بعد تهديد زعيم مليشيا "العصائب" قيس الخزعلي، بأخذ ثأر القيادي في المليشيا وسام العلياوي الذي قُتل السبت الماضي على يد ذوي متظاهرين غاضبين، مضاعفاً أربع مرات، وهو ما يهدد بحصول مواجهات، ما دفع لإرسال قوات إضافية لتبقى فيها خلال الفترة المقبلة.

تعليق: