زحام الخليج (1)..4 سنوات من الازدحام المروري تنتظر الرياض

الرياض
خالد الشايع
28 ديسمبر 2014
+ الخط -

طوى فايز البيشي ورقة الإنذار التي حصل عليها للمرة الثالثة، خلال شهر، بسبب التأخر عن العمل، في جيبه، قبل أن يتجه إلى مكتبه، دائما يفكر البيشي بشكل جدي في حل مشكلة التأخير التي تلازمه، منذ أن نقل عمله إلى حي العقيق أقصى شمال العاصمة السعودية الرياض، في وقت يسكن فيه حي المربع وسط المدينة.

تكمن مشكلة البيشي والكثيرين مثله في أن المسافة التي لا تتجاوز عشرة كيلومترات، والتي كان قبل سنوات يقطعها في أقل من نصف ساعة، يحتاج حالياً إلى ساعتين لعبورها في الصباح الباكر، "لأن الزحام المروري في العاصمة السعودية بلغ أشده" يقول البيشي.

يتابع قائلا لـ"العربي الجديد":"تلقيت ثلاثة إنذارات هذا الشهر مع أنني أخرج من منزلي في الساعة السادسة والربع صباحا لكي أصل إلى عملي عند السابعة والنصف، لكن في كل مرة يقع حادث مروري أمامي يصبح من المستحيل أن أصل إلى عملي، في موعدي، بالتالي أحصل على إنذار، وأخشى أن يصل الأمر إلى فصلي من العمل".

يضيف :"الأمر كان أسهل في السنوات الماضية، إذ كان الزحام في أوقات الذروة في الصباح (من الساعة 6:30 وحتى الساعة 9 صباحا، وبعد الظهر (من الساعة 1:30 وحتى الساعة 3:30 ظهرا)، لكن حاليا بات الزحام في كل وقت، حتى بعد منتصف الليل، ومع أني أسكن في وسط المدينة إلا أنني أعاني كثيرا في الوصول للأماكن التي أريد، وأهمها عملي، أخرج في الساعة السادسة صباحا، لكن لا أعود إلا عند الساعة الخامسة عصرا بسبب الزحام الشديد وفي كثير من المرات لا أصل إلا بعد صلاة المغرب".

تتكرر تفاصيل المعاناة ذاتها كما يروي بندر العتيبي مؤكدا أن "الوضع بات لا يطاق"، لكن في حالته، ليست المشكلة في التأخر عن العمل فقط، بل إن تأخره عن موعد مهم في المستشفى أدى إلى إصابة طفلته بمشاكل صحية كبيرة، يقول العتيبي لـ"العربي الجديد": "ما يحدث في الرياض لا يطاق، هل يعقل أن يأخذ مشوار قصير للمستشفى الذي لا يبعد عن منزلي أكثر من كيلومتر واحد ساعة ونصف وسط سيارات متوقفة بسبب الزحام، وفي فترة المساء".

ويضيف :"أدى ذلك إلى إصابة ابنتي بحمى شديدة، لأننا لم نستطع أن نصل إلى المشفى القريب منا في الوقت المناسب، إذ كانت الطرق مغلقة، دون أن أعرف ما هو سبب إغلاقها في غير وقت خروج الموظفين"، بسبب التأخير عانت ابنته شهد من التهاب في القرنية بسبب الحمى الشديدة التي تعرضت لها، تحتاج على إثرها إلى علاج طويل حتى تتعافى.

جولة "العربي الجديد" تكشف

تكشف جولة قام بها "العربي الجديد" في الرياض أن الازدحام المروري الذي يشل الطرق الرئيسية في مدينة الرياض، ظاهرة يومية بعد وقوع أي حادث تصادم حتى ولو كان بسيطا، إذ وثقنا توقف طريق الملك فهد تماما بسبب شلل في الحركة على الطريق الرئيسي في المدينة، الذي يربط شمالها بجنوبها باتساع 80 مترا، بعد أن اصطدمت سيارة بأخرى، أسفر الحادث عن توقف أكثر من ألف سيارة فترة تزيد على ثلاث ساعات، في انتظار سيارة المرور التي يجب أن تباشر الحادث كما وقع، دون أن يجرى تغيير في أماكن السيارات، المشكلة كانت، كيف تصل سيارة المرور إلى موقع الحادث وسط طريق متوقف تماما.

خطة جريئة ذات نتائج بعيدة

بات الكثير من أهل الرياض يفكرون جديا في تركها بسبب الزحام الذي بلغ أعلى درجاته في السنوات الماضية، وما يضاعف المشكلة أكثر في السنوات الأربع المقبلة، بدء العمل في مشروع (مترو) الرياض ضمن مشروع الملك عبدالعزيز للنقل العام، هذا المشروع سيتسبب في إغلاق الكثير من الطرق الرئيسية في المدينة، مما سيضاعف الزحام أكثر مما هو عليه الآن، وهو ما دعا أمير منطقة الرياض، الأمير تركي بن عبد الله، إلى أن يوجه خطابا إلى سكان مدينة الرياض، يطلب فيه تقليل تنقلاتهم خلال تنفيذ مشروع النقل العام الذي بُدئ العمل فيه قبل أربعة أشهر.

ووجه أمير الرياض خطاباً للسكان ولأصحاب المحلات التجارية الواقعة على طريق العليا العام (الأكثر أهمية في العاصمة ويقع شمال المدينة)، الذي يُنفذ فيه المسار الأزرق حالياً، يدعوهم فيه إلى التعاون والالتزام الدقيق بنظام الحركة المرورية في الخطة البديلة، لضمان انسيابية الحركة في مدينة الرياض خلال مدة تنفيذ المشروع.

ووصف أمير الرياض الخطة التي وضعتها إدارة المرور والتي تشمل تحويلات وإغلاقاً لكثير من الشوارع الرئيسية بالجريئة، ولكنها ستكون مفيدة على المدى البعيد، وفي تصريح رسمي قال: "خطة المرور والتحويلات الأرضية قد يكون بعضها جريئا، إلا أن النتائج النهائية ستكون في صالح المواطن بعد اكتمال المشروع"، موضحا أن الخطط المرورية أعدت مسبقا بشكل ينسجم مع مواعيد الحفر في المواقع، وتشمل الخطة تغيير أوقات العمل في المدارس والمؤسسات الحكومية، ولكن هذا الأمر وضع كخيار احتياطي، وأضاف: "لن نلجأ إلى هذا الخيار إلا إذا اضطررنا إليه، بهدف تحسين السير وتسهيل الحركة المرورية".

خطط بديلة للدفاع المدني والإسعاف

تبلغ مساحة الرياض 1435 كيلومترا مربعا تنقسم إلى ثماني مناطق رئيسية أكبرها العليا في الشمال والمربع في الوسط والبديعة في الغرب والبطحاء في الشرق، والأخيرة هي أكبرها في المعاناة من مشكلة الزحام كونها أقدم أحياء الرياض وأكثرها سكانا وأقدمها تخطيطا.

لا تكمن المشكلة في تأخر الموظفين عن مواعيد الدوم الرسمية في أعمالهم أو "مشاويرهم" الخاصة فقط، بل يتجاوز الأمر إلى التأثير على أداء فرق الدفاع المدني أو الإسعاف، وهو ما يقلل من كفاءة عملهم وإنجازه بشكل سريع، ما بات يهدد حياة الكثيرين يوميا، لأن الزحام الشديد الذي تعاني منه الرياض والذي سيتضاعف خلال الأربع سنوات المقبلة بسبب مشاريع النقل العام يضاعف من مشاكل فرق الدفاع المدني التي لا تملك وقتاً تقضيه وسط الشوارع.

ويؤكد المتحدث الرسمي بإدارة الدفاع المدني في منطقة الرياض النقيب محمد الحمادي لـ"العربي الجديد" أنهم اضطروا لوضع خطط بديلة لتجنب الاختناقات المرورية، خاصة مع بدء مشاريع النقل، ويقول: "كان هناك اجتماع تنسيقي بين الدفاع المدني في الرياض والجهات المسؤولة للتعامل مع الزحام الذي نتعامل معه منذ فترة طويلة، نأخذ في الاعتبار البلاغات التي تأتي وسط وقت الذروة، نعمل على إيجاد طرق بديلة تحتاجها سيارات الإطفاء وإرسال فرق احتياطية لتجنب أي مشاكل قد تقع للفرق الأساسية"، ويضيف: "نضع في الاعتبار مشروع النقل العام في الرياض والتحويلات الحالية للمحافظة على وقت الاستجابة والوصول إلى مواقع الحرائق والحوادث بسرعة".

ويشدد النقيب الحمادي على أن الرياض تعاني منذ سنوات طويلة من الزحام، ويتابع: "نعمل بشكل مستمر على دراسة الطرق البديلة والاختصارات، لدينا أكثر من 70 مركزا وعدد أكبر من الفرق المرورية، موزعة على مختلف مناطق العاصمة، ونأخذ في الاعتبار مناطق الزحام المعروفة لتجنبها والوصول إلى أماكن الحوادث، لدينا اجتماعات مستمرة مع الجهات الأخرى للمساعدة في تجنب مشكلة الزحام خاصة في أوقات الذروة".

نصف مليون سيارة سنويا
تتضاعف السيارات في السعودية بشكل كبير سنويا، وبحسب تأكيد المتحدث الرسمي لإدارة المرور السعودية العقيد علي الرشيدي يتم بيع نصف مليون سيارة سنويا، منها أكثر من 60 ألف سيارة هي نصيب الرياض وحدها، وهو أمر يضاعف المشكلة بشكل كبير.

تكمن المشكلة في أن عدم وجود نقل عام حقيقي أجبر الكثيرين على شراء سيارة خاصة، سواء أكانوا عمالا أم مواطنين، وبدأت هيئة تطوير الرياض (الجهة المخولة بتنفيذ المشاريع التطويرية في العاصمة) منذ عام 1998 في إعداد مخطط استراتيجي لحل المشكلة، ولكن من دون نجاح ملموس.

حتى ينتهي مشروع مترو (الرياض) -يستمر العمل فيه أربع سنوات- على سكان الرياض تحمّل الزحام المتضاعف، وأمام ذلك يؤكد العميد علي الدبيخي من مرور الرياض، ضرورة تحمّل بعض الارتباكات المرورية لإكمال المشروع، وقال في مداخلة تلفزيونية: "الرياض مقبلة على مشاريع جبارة ويجب على المواطنين التحمل قليلا حتى انتهاء هذه المشاريع".

في انتظار حل المترو

يترقب سكان الرياض الذين يتجاوز عددهم حسب الإحصاءات الرسمية خمسة ملايين و700 ألف نسمة إطلاق مشروع مترو الرياض حتى يتخلصوا من الاختناق المروري الذي يعانون منه يوميا لدرجة بات كابوسا لهم، وكان العمل على هذا المشروع الذي سيتكلف أكثر من 84 مليار ريال (22 مليارا و400 مليون دولار أميركي) بدأ منذ عام 2001 بناء على دراسة حكومية أكدت أهميته، ويسعى المشروع الضخم إلى توفير خدمة النقل العام لكل فئات السكان، إذ يتكون من مشروع القطار الكهربائي من ستة محاور رئيسية، بطول إجمالي يبلغ (176) كيلومترا تغطي معظم المناطق ذات الكثافة السكانية والمنشآت الحكومية والأنشطة التجارية والتعليمية والصحية، وترتبط بمطار الملك خالد الدولي.

ويأمل سكان الرياض في أن يحل المشروع الضخم مشكلتهم الكبيرة، حتى ولو كان الثمن أربع سنوات من المعاناة، وفي حال لم تحل الأزمة، يكون الانتقال من الرياض حلا مثاليا"، وهو ما قام به المهندس أحمد السيندي الذي فضل الانتقال إلى مدينة الخبر (إحدى مدن المنطقة الشرقية) هرباً من زحام الرياض، يقول السنيدي لـ"العربي الجديد": "وجدت نفسي أقضي ست ساعات يوميا في سيارتي ذهابا وإيابا إلى عملي وبعض "المشاوير" البسيطة، في الرياض لا يمكن أن تقضي أكثر من مشوار واحد في اليوم"، ويضيف: "عندما يضيع ربع يومي في الزحام، لا يوجد حل آخر سوى الاتجاه لمدينة أقل زحاما، الآن لدي وقت أكثر أقضيه في عملي وهواياتي، فلم تعد سيارتي هي منزلي".

كثيرون باتو يفكرون مثل السنيدي، ولكنهم ينتظرون نتيجة مشروع النقل العام الذي قد يغنيهم عن السفر بعيدا عن عاصمة المملكة.

دلالات