رينيه غينون .. فرنسيٌ تائه أم فيلسوف ثائر؟

14 ابريل 2020
الصورة

رينيه غينون (1886-1951).. تصوف وانقطاع روحي (ويكيبيديا)

+ الخط -
"لا يلتزم غينون بكل وضوح معايير فوكو، إلا أن تأثيره على باحثين كبار يشتغلون بالاستشراق وغيره، وعودة الاهتمام بأعماله خلال العقد الأخير، يشهدان على استمرارية قوة أفكاره، وأهميتها بالنسبة إلى الحداثة والاستشراق الذي هو فرع عنها".. وائل حلاق.
ينظر هذا المقال إلى حقيقة التصنيف المستحق لغينون، في مضمار عالم المعرفة الإنسانية الجديد الذي خسر كثيراً من خلال فرض الرؤية الأداتية الملزمة للأكاديمية الغربية، وجوهرها الحداثي المادي، على رواقها وحصار فلسفة الشرق، وهل كانت لهذا القهر الحداثي في مؤسسات العلم الحديث شرعيةً معرفية وتبريرا أخلاقيا، أم أنها كانت جزءا من منظومة تحيّز، يستيقظ العالم اليوم على حجم خللها في فهم النظام الكوني.
كانت لغة غينون تخوض تحريرها الفلسفي في تفكيك الحداثة المادية، وكان الأساس المركزي الذي اعتمده هنا هو رفض الحتمية التاريخية التي تُفرض على الباحثين والحياة المدنية المعاصرة، وخصوصا حين يربط التقدم بهذه الحداثة على الخصوص، ويربط غينون الفكرة (الدهرانية) التي ولد إطارها الجديد عبر كارل ماركس، بمركزية الحداثة المادية، وهي قضية مهمة للغاية، حرّرها وائل حلاق وتُثبتها القراءة العميقة لكلتا الفلسفتين، الإلحاد الماركسي والوجودية الحداثية. وبالتالي، المنتج الأخلاقي بعد عزل المعرفة الموسوعية ليس أكثر من كونه مكملاً ضرورياً لدهرانية الغرب، فكلتا المدرستين تتحول إلى "أداتية القوة المعنوية والجسمية 
للمادية وتنتج عملياتها التحويلية" بموجبها، والنتيجة هي تعطيل قدرة الإنسان على النظر في ما وراء إدراك ما وراء الحواس، فأصبح إنسان علم الغرب المادي الحديث أسيراً لعالم حسّي آني، ويدور في نظام مغلق لا يمكن أن يُفهم عبره شيء آخر.
وهذه القراءة لوائل حلاق تطرح السؤال اليوم بقوة على معارضي غينون، وتاريخ تهميشه، فما هي الأداتية المختلفة التي كان يتعامل عبرها غينون للوصول إلى حقيقةٍ معرفيةٍ مختلفة؟ أين الصالح الإنساني المحض، من رفض هذه الأداتية المعرفية؟ هل حقق تغييب النظام الكوني اليوم، بعد هذا الحصار الشرس للمعرفة، هذا التوازن في جغرافية العالم؟ ما هو المبرّر الذي احتجت به الأكاديمية الغربية حين منعت حداثتها النظام القيمي الثقافي وتقدير طُرق الحضارات في فهم العالم والعيش فيه؟
ولدينا دائماً صدمة شعور خشية الدخول في عالم غامض، أو صورة نمطية، تقتضي في ذهن الباحث، أو القارئ المتطلع للعدالة والتقدم المادي، في حركة الحياة، بحيث تُصوّر له كل هذه الحياة الصاخبة، وآثارها التي يروج فيها "التسليع الإنسانوي" الفظّ، وتفجير الغرائز الشاذة حتى في الفنون، وحتى في متع الرياضة وميزانياتها المفجعة أمام جوع العالم، بأنها هي أيضاً التي أعطته العلاج السريع، والرفاه الاقتصادي وتنظيم العقد الاجتماعي، والطموح للوصول إلى 
العدالة الدستورية التي كرّسها الغرب، والحقوق الفردية.
وهذا تضليل محض، ومع التحفظ الكبير على نتائج التوظيف الرأسمالي لمصطلح الديمقراطية، تحت علو المادية وهيمنتها على حياة الإنسان، فإن ذلك لا يعني التخلص من منتجات التكنولوجيا، وميسرات الحياة المعاصرة والقيم الأصلية للديمقراطية، وإنما تأسيس التعاطي معها أخلاقياً لصالح بقاء الإنسان، والخروج من قهر الأسواق الدكتاتورية إلى فضاء معرفةٍ ومساواة تجمع بين أخلاق الفرد وتضامنه، وبين أخلاقه مع الفطرة والطبيعة.
يُفصّل غينون في أزمة المضمار العلمي للحداثة المادية بأن نتيجة تنحيتها "الله الخالق" قادها إلى أن تكون هي ذاتها بكل نظرياتها، المحققة وغير المحققة في حوار المعرفة، سواء المنتكسة التي هوت بالحياة الاجتماعية، وقوّضت العدالة وحقوق الأسرة، أو تلك التي نجحت في الوصول إلى علوم إيجابية، بحيث أضحت كلها هي المبدأ العلوي والمبدأ العلوي هي، فكيف تُناقَش أو تُحاوَر وقد أخذت موقع المبدأ المرجعي؟ وبالتالي هي تحكم على حضارات الشرق بعد أن أسقطت ميزان التقييم المستقل، وترفض النظر الأوّلي لبسط موازين المعرفة والعدالة. وينتهي غينون إلى أن هذه حالة جهل في الأكاديميا الغربية، ويواصل هجومه الثوري، بوصف 
فرض الغرب رؤيته على كل حضارات الشرق، بأنها تمثل ذلك الطفل الذي دخل إلى حلقة من هم أكبر منه، بعد أن عرف بعض الأمور، واشترط عليهم التعامل بما عرف، على الرغم من أن ما جهله ممن هو أكبر منه كثير.
ويبدو هنا لبعضهم أن موقف غينون يُظهر تطرّفاً ضد الهيمنة الغربية التي رعته قبل تمرّده لتكريس هيمنتها، ولأهدافها ذاتها، غير أن ما ينقص العالم اليوم يؤيد غينون، حين التأمل واستدعاء حصيلة الكتب والبناء على نظرية العلماء التي أبادها القهر الاستعماري الذي عاشه الشرق تحت المشروع الكلي للكولونيالية، وقد أخذت منه مئات السنين، وأودت بحظوظ كبرى للمعرفة البشرية، عبر إبادةٍ تناوب عليها التتر المتخلف والغرب المتعلم!
وهنا يعيد غينون الاعتبار للفلسفة الأخلاقية كمرجع، حين يذكّر بأن الاعتراف بالشرعية والأثر الإيجابي للعلم يلزم منه وجود وسيلة تربطهما ببعض وبمستقر دائم، في إشارة إلى النظام الكوني وسنن الخالق، وبدون ذلك، لا احترام لحضارة تفرض سيادة عقلية لها تحت أكذوبة حرية التفكير. ويستدعي وائل حلاق هنا معنىً آخر للحرية التي سماها إزايا برلين (أشعيا)، وهو فيلسوف ليبرالي بريطاني شهير، وهي "الحرية الإيجابية"، غير أن برلين ذاته نفى أحقية هذه الحرية الإيجابية، ربما بسبب مخاوفه من البطش الشيوعي الذي هاجر والداه بسببه، ولكن ملامسة برلين هنا تؤكد حضور هذا المعنى الدقيق والحسّاس، الذي يعكسه رينيه غينون.
ما هي الحرية الإيجابية في المعرفة، مقابل الحرية السلبية التي نصبتها الأكاديميا الغربية مرجعاً، على الرغم من مادّيتها وتطرفها ضد بقية الحضارات؟ هنا نفهم أن فكر غينون أمام هذا الإرث المهيمن على المعرفة لم يكن إلا ثورة فلسفية، سعت إلى رد الاعتبار لقيم الإنسانية، بغض النظر عن عدم استكماله تقديم البديل، فقد أُغلقت دونه الأبواب منذ أن أعلن ثورته!