ريان الهبر (العربي الجديد)
03 اغسطس 2020
+ الخط -

لا ينشغل المؤلّف والموزّع الموسيقي اللبناني ريان الهبر كثيراً بتجميل الواقع أو بتغليف القضايا التي يطرحها في أعماله الفنية بمقاربة تفاؤليّة زائفة. فأغنياته غالباً ما تُقدَّمُ ساخنةً على طبقٍ من الواقعية، يعدُّه الهبر بمهارة من مكوّنات المطبخ الاجتماعي والسياسي اللبناني. وفي أغنية جديدةٍ بعنوان "بدّي إحكي" من كتابته وألحانه وتوزيعه، يفضح الهبر بصوت والده الفنان المخضرم، خالد الهبر، الكثير من القضايا التي تنخر النسيج اللبناني، بتوليفة شعرية تخاطب وجع الناس وتحكي بلسانهم. الأغنية سيضمّها ألبوم متكامل يسجّل من خلاله خالد الهبر عودةً إلى الإصدارات الغنائية بعد 12 عاماً على آخر عمل مُسجَّل أصدره وحمل عنوان "هيدا زمانك".
وعن "بدّي إحكي"، يقول ريان الهبر لـ"العربي الجديد": "الأغنية شاملة وتفضح كل شيء. إذ تطرح مواضيع عدة، كما أنها تتطرّق إلى تدخُّل الأديان في الفن، وحتى في مظاهر العيش، مثل ارتداء لباس السباحة في أماكن معيّنة، وغيرها من الموضوعات الثقيلة التي تطرحها الأغنية بلغةٍ مباشرة وبسيطة". وريان الذي يكتب النوتة الموسيقية لكل آلة، ويسجلها خلال عزفٍ حي من دون اللجوء إلى أي أصوات أو إيقاعات إلكترونية جاهزة، يعترف أن كلفة العمل ترتفع بسبب اتباعه هذا النهج الكلاسيكي في التأليف والتسجيل الموسيقي. يضيف: "هذا العمل مُكلف ويتطلَّب وقتاً. وبدأت تسجيل الألبوم على حسابي الخاص في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وحين بدأت الثورة أوقفت التسجيل، وبعدها استجدَّت أزمة كورونا، ثم استأنفنا العمل عليه أخيرًا. وهو يتضمّن أغنيات جديدة إضافة إلى أغنيات سبق أن قدمناها في حفلة أو حفلتين فقط. ولن نلجأ إلى إصدار الألبوم دفعةً واحدة، بل سنصدر الأغنيات تباعاً، وأوّلها أغنية (بدّي إحكي)". 
ومن أعماله الجديدة أيضاً، أغنية للفنان الشاب فرج حنّا من كلمات ريان الهبر وألحانه وتوزيعه الموسيقي، تتناول موضوع الهجرة الذي بات مشروع العدد الأكبر من اللبنانيين الساعين إلى النجاة من جحيم واقعهم. ريان نفسه ليس بعيداً من فكرة الهجرة، ويؤكّد أن "الموسيقيين هم أوّل من يتأثّر في الأزمات بسبب توقّف عملهم، وهم آخر من يتعافى، والدليل ندرة الأعمال والحفلات التي نشهدها حالياً". ويقول: "أنا أعيش أساساً نصف هجرة، فزوجتي تسكن في دبي منذ 12 عاماً، وأعيش بين لبنان ودبي منذ سنوات. وفي وجود (السوشال ميديا) سقطت المسافات. إذ يحق للإنسان أن يعيش في بلد حيث لا تكون حقوقه مجرّد أحلام. قررنا زوجتي وأنا أن ننجب ولداً، ووجدنا أنفسنا نتساءل أين نُسكنه، هل في بلد حيث يموت الأولاد برصاصة طائشة من احتفالات أهل ولد آخر بنجاحه في شهادة رسمية يعلّقها على جدران البطالة في البلد؟". ويضيف: "أحبُّ لبنان كثيراً، وصحيح أنه لا يُمكن العيش فيه ولكن لا يُمكن أيضاً العيش من دونه. ومع ذلك على الإنسان أن يغلّب المنطق على العاطفة في مراحل مفصلية من حياته والهجرة بالنسبة لي خيار جدّي".

وعلى الرغم من حالة الإحباط العام الطاغية على الأجواء اللبنانية، إلا أن الهبر قدّم أخيراً أغنية طافحة بالإيجابية الممزوجة بالرومانسية، استطاع من خلالها أن يخترق العزلة المفروضة على العالم بفعل فيروس كورونا، ويقرّب المسافة بين أذن المتلقي وقلبه من خلال عمل بسيط بعنوان "بالحجر الصحّي" من غناء شانتال بيطار. عن الأغنية يكمل الهبر: "نحن كفنّانين مُستقلّين لم نحظَ بفرصة عادلة لتقديم أعمالنا بسبب وسائل الإعلام التقليدية التي اغتالت الفن العربي واللبناني بشكل مخيف بتسليطها الأضواء على قلّة من الفنانين منهم من هو مهمّ وآخرون غير مهمين لا على صعيد الصوت ولا على مستوى الصورة، إذ نُظّمت لهم حملات دعائية مُركّزة وسُمّيوا فناني لبنان. في المقابل تمّ التعتيم على مواهب كلّ الباقين، ولكن المعادلة اختلفت بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية مثل (يوتيوب) الذي ساعدنا كثيراً لعرض أعمالنا وانتشارها، في حين أننا لم نكن نحلم بأن تعرض أي محطة تلفزيونية إعلاناً صغيراً عن حفل فني ثقافي نحييه أو أغنية نطرحها. وبفضل (السوشال ميديا)، إذا كانت الأغنية صادقة ومشغولة باحترام على مستويات الكلام واللحن والتوزيع، أصبح بإمكانها أن تصل إلى قلوب الناس من دون أن تكلّف معدّها دولاراً واحداً، لأنّها أغنية مُكتملة العناصر، وإنّ أغنية (بالحجر الصحي) دليل على هذا الأمر، بكلماتها الذكية ولحنها البسيط وتوزيعها الموسيقي وأداء شانتال".


ويمتلك ريان الهبر تجارب موسيقية مع كثير من الأصوات، منها فايا يونان من خلال قيادة فرقتها الموسيقية وتأليف عدد كبير من أعمالها وتوزيعها موسيقياً. ويكشف أنّه كان يستعدّ لجولة موسيقية معها تشمل إحياء 25 أمسية غنائية، تمّ تأجيلها بسبب الإغلاق الذي فرضه فيروس كورونا، ولكنه يستعدُّ في المقابل لمرافقة الفنانة الشابّة في أمسية تحييها هذا الصيف ضمن مهرجانات "جرش" العريقة في الأردن. ويرى الهبر أن الأغنية التي سبق أن قُدّمَت برفقة الأوركسترا الوطنية في قصر الأونيسكو في بيروت "هي من الأغنيات المحفورة في الوجدان بصوت الفنان المعتزل ربيع الخولي. مع العلم أن أوّل من غنّاها هو العملاق وديع الصافي، كما أن الفنانة الراحلة وردة الجزائرية سبق أن قدّمتها بصوتها". ويضيف: "أحببت أن أحافظ على الجو الكلاسيكي في الأغنية بطريقة متحركة وبتوزيع للموسيقى أكثر سرعة، وأدخلت توزيعات على آلات الكمنجة وخاتمة موسيقية جديدة تليق بها مع الأوركسترا وتُظهر ضخامتها. وأعتبر أنّ هذه الحلقة التلفزيونية هي من أجمل الحلقات التي شاركت فيها عبر تلفزيون لبناني على الإطلاق". ويختم متمنيّاً أن تفرد الشاشات المحليّة مزيداً من المساحة للمادّة الفنية الثقافية وأن "تحدُّ الأيام القادمة من مستوى الانحطاط الكبير الذي نشهده في لبنان على كافة المستويات الفنية والاجتماعية والسياسية". 

يرى ريان الهبر أن الأصوات المتمكنة قادرة على تقديم مادة فنيّة مختلفة، وذات قيمة عالية تستقطب إعجاب الجمهور وتحصد ثناءه، بعكس ما يُشاع عن تفضيل الجمهور للأغنية السريعة والاستهلاكية، بدليل الأصداء الواسعة التي حصدتها حلقة تلفزيونية من برنامج "بيت الكل" استضاف خلالها عادل كرم "المايسترو" لبنان بعلبكي، وقدّم فيها الهبر رائعة بليغ حمدي "على رمش عيونها" بتوزيع موسيقي جديد.

دلالات

المساهمون