رياح التغيير في كوسوفو: سقوط أبطال الحرب انتخابياً

08 أكتوبر 2019
الصورة
زعيم اليسار كورتي يحتفل مع أنصاره (أرماند نيامين/فرانس برس)


ليس ضرورياً أن يبقى أبطال الحرب في السلطة إلى الأبد. في التاريخ أمثلة كثيرة في هذا السياق، لعلّ أبرزها على الإطلاق رئيس الوزراء البريطاني، وينستون تشرشل، الذي سقط في الانتخابات مع نهاية الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945). الشعوب لا تتردّد في تغيير حكامها إذا وجدت فيهم جموداً يؤدي إلى موتها. في كوسوفو حدث هذا الأمر يوم الأحد الماضي. الدولة الصغيرة في البلقان نظّمت انتخاباتها البرلمانية السابعة منذ عام 2001، بعد حرب الاستقلال عن يوغوسلافيا في عام 1999، والرابعة منذ إعلان الاستقلال عام 2008. وعكس كل الانتخابات السابقة، خسر الحزبان الأكبران في البلاد: حزب "كوسوفو الديمقراطي"، بقيادة الرئيس هاشم تاجي، وحزب "التحالف من أجل مستقبل كوسوفو" بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته راموش هاراديناي. وحصل حزب تاجي على 21.3 في المائة من الأصوات، بينما حصل هاراديناي على 11.7 في المائة من الأصوات. في المقابل، تصدّر حزب "الاستقلال" اليساري القومي، و"رابطة كوسوفو الديموقراطية"، يمين الوسط، النتائج، بحصولهما على 25.9 في المائة و25.3 في المائة على التوالي. سريعاً تقبّل حزب تاجي النتائج، وقال المتحدث باسم "كوسوفو الديمقراطي"، قدري فيسيلي: "نقبل حكم الشعب. حزب كوسوفو الديموقراطي ينتقل إلى المعارضة".

وبرلمان كوسوفو مكوّن من 120 مقعداً، وينصّ القانون على حصول أي تحالف على أكثرية 61 نائباً لتشكيل حكومة، ومع عدم تمكّن أي حزب من الحصول على الأكثرية المطلقة من الأصوات فإنّ حزبَي المعارضة يحتاجان إلى التحالف، وبالفعل فقد استبق "الاستقلال" و"رابطة كوسوفو الديمقراطية"، الانتخابات بمفاوضات حول إمكانية تشكيل الائتلاف، على الرغم من الاختلاف الأيديولوجي الكبير الذي يباعد بينهما. وفي حال تمّ الاتفاق بينهما، فإنه من المرجّح أن يكون زعيم "الاستقلال"، ألبين كورتي، رئيس الوزراء المقبل.

أهمية الانتخابات أنها أتت عقب سلسلة أحداث في العام الحالي؛ فقد ارتفعت الدعوات في بريشتينا، لاستئناف الحوار مع صربيا بشأن تطبيع العلاقات، التي توقفت منذ فرض الحكومة السابقة تعريفات على البضائع الصربية تصل إلى 100 في المائة. مع العلم أن كوسوفو أعلنت استقلالها عن صربيا عام 2008. وهي معترف بها من قبل أكثر من 100 دولة عدا بلغراد. ومع ذلك، فإن كورتي لم يعلن آلية الحوار العتيد. الحدث الآخر الذي شهدته البلاد، هو الخلاف الذي نشب في مايو/أيار الماضي بين كوسوفو وصربيا، بسبب توجّه السلطات في بريشتينا للقيام بعمليات أمنية ضد إقليم صربي واقع في كوسوفو ومتاخم لصربيا. دفع هذا التوتر الرئيس الصربي، ألكسندر فوتشيتش، لإرسال وحدات عسكرية إلى الحدود، والتهديد بدخول الإقليم الصربي في كوسوفو لـ"الدفاع عن الأقلية الصربية". وبلغ التوتر حده الأقصى مع إعلان قوة حفظ السلام التابعة لحلف شمال الأطلسي في كوسوفو "كفور"، جهوزيتها للتدخّل لمنع انزلاق البلدين إلى الحرب.

لاحقاً، ارتفعت الأصوات ضد فوتشيتش، في بلغراد، واتهمته المعارضة باستخدامه الملف الحدودي، لإشاحة الأنظار عن محاولته قمع المعارضين ووسائل الإعلام وتدهور الوضع الاقتصادي. أما في كوسوفو، فقد بدا واضحاً أن الناخبين لم يتأثروا بالعملية العسكرية الكوسوفية ضد الصرب، ولا باستقالة هاراديناي، من منصبه رئيساً للحكومة في يوليو/تموز الماضي، حين تم استدعاؤه للمثول أمام محكمة لجرائم الحرب، لدوره خلال الحرب التي جرت عامَي 1998 و1999، بوصفه أحد قادة "جيش تحرير كوسوفو" السابق الذين قاتلوا من أجل الاستقلال عن يوغوسلافيا. الناخبون لم يعودوا متمسكين بعامَي الحرب في التسعينيات، بعد تفشي الفساد في الدولة.

يُمكن تفسير اختيارات الناخبين يوم الأحد الماضي، بـ"الخطوة إلى الأمام"، في سياق استمرار المساعي للانضمام إلى الأمم المتحدة، بعد معالجة الخلافات مع صربيا، التي لا تزال تعترف بالسلطات في كوسوفو بـ"سلطة إدارية في إقليم". ومن الواضح أن أي اتفاق بين صربيا وكوسوفو سيمنع دخول ألبانيا على خط الخلافات، كون أحلام تيرانا تتجاوز الأبعاد الاقتصادية إلى البعد الوحدوي، في إطار جمع كوسوفو وألبانيا في دولة واحدة تحت اسم "ألبانيا الكبرى". ولا يبدو أن الأمم المتحدة، في وارد الاعتراف بوحدة دولتين في البلقان، بعد حروب التفكك والتفكيك في التسعينيات، لأن أي إطار وحدوي بين ألبانيا وكوسوفو، قد يجرّ إلى إطارات مماثلة، سواء بين صربيا ومونتينيغرو، أو بين كرواتيا وسلوفينيا.

في هذا الصدد، يبدو فوز المعارضة في بريشتينا أشبه بالهدية غير المتوقعة، كونها ستعبّد الطريق للحوار مع بلغراد من جهة، وستسحب من فوتشيتش ورقة التوتر الأمني مع كوسوفو من جهة أخرى، ما قد يؤدي إلى سقوطه في الانتخابات التشريعية الصربية في الربيع المقبل. انتهت مرحلة التسعينيات الحربية، وطويت صفحة تاجي وهاراديناي، المستقبل سيكون للتفاوض مع صربيا. هكذا قرر الكوسوفيون.



دلالات

تعليق: