روسيا ومعركة البحار الشمالية: تحدٍّ للأطلسي واستعادة هيبة سوفييتية

04 يوليو 2020
الصورة
الغواصة النووية الروسية "أكولا" التابعة للأسطول الشمالي (Getty)

لطالما شكّلت المنطقة البحرية الممتدة من بحر الشمال الأوروبي إلى القطب الشمالي هدفاً أساسياً للقوى المتصارعة على مدى التاريخ، وكانت أبرز محطات هذا الصراع، هي السيطرة الألمانية على هذه المنطقة في الحربين العالميتين الأولى (1914 ـ 1918) والثانية (1939 ـ 1945). غير أنه بعد سقوط النازية في برلين، وتقاسم القارة الأوروبية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وضمناً حلف شمال الأطلسي، وانغماس العالم في الحرب الباردة (1947 ـ 1991) انبثق صراع "الهرّ والفأر" بين الغواصات السوفييتية والغواصات الغربية، الذي استمر حتى سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991. لاحقاً، عمدت روسيا، خليفة السوفييت، إلى تعزيز نفوذها في هذه المنطقة، مستندة إلى إهمال أميركي وغربي حيالها من جهة، وإلى نيّة موسكو تطوير الصناعة البحرية، للوصول إلى القوة التاريخية للسوفييت من جهة ثانية. أدى هذا التطوير في العامين الماضيين، إلى بروز تحدّيات عدة، مع تمدد البحرية الروسية في المياه الدولية في شمال المحيط الأطلسي، بين غرينلاند (التابعة للدنمارك) وأيسلندا وبريطانيا، ما يجعلها على مسافة "قريبة" نظرياً من السواحل الشرقية للولايات المتحدة.

 

تهدد الغواصات الروسية الساحل الشرقي للولايات المتحدة


في السياق، ذكر المراسلان في صحيفة "وول ستريت جورنال"، توماس غروف من مكتب موسكو ـ روسيا، وجيمس مارسون من مكتب بروكسل ـ بلجيكا، في مقال لهما، أن "موسكو تعمل على تقويض استراتيجية حلف الأطلسي، التي تعتمد أساساً على الانتشار السريع للقوات الأميركية دفاعاً عن حلفائها الأوروبيين"، إزاء أي "خطر روسي". وكشفا أنه في العام الماضي وحده، خرجت 10 غواصات روسية من مواقعها في الشمال الروسي، لتتغلغل في شمال المحيط الأطلسي، في مناطق محسوبة على الحلف. ونقل الكاتبان عن مسؤولين ومحللين عسكريين في الأطلسي أن العمليات الروسية، هي واحدة من أكبر التدريبات منذ نهاية الحرب الباردة، وصُنّفت بأنها "دليل على قوة وطموح البحرية الروسية، ليس فقط في السياق الدفاعي، بل أيضاً في إظهار القوة".
وبحسب "وول ستريت جورنال" فإن "روسيا أنفقت مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة لتطوير أسطول من الغواصات القديمة الموروثة من الاتحاد السوفييتي بسفن أكثر هدوءاً وسرعة، يمكنها الاختباء والسفر لفترة أطول والغوص في أعماق أكثر". ووفقاً للمعطيات، فإن الأسطول الشمالي لروسيا، ومقرّه شبه جزيرة كولا في القطب الشمالي، بالقرب من الحدود الشرقية لفنلندا، هو القوة الرئيسية للبحرية الروسية، وبمثابة خط دفاع أول لحماية روسيا من تهديد الصواريخ البالستية. مع العلم أنه تاريخياً، كان للأسطول دور كبير في مواجهة الألمان في حصار لينينغراد (سان بطرسبرغ حالياً)، بين عامي 1941 و1944 في الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن دعمه موسكو مع اقتراب القوات الألمانية منها، وساهم أيضاً في فك حصار ستالينغراد (فولغوغراد حالياً) بين عامي 1942 و1943.

وحول المهام الروسية، نقل غروف ومارسون عن قائد الأسطول الشمالي الروسي، نائب الأدميرال ألكسندر مويسييف، قوله في وقت سابق من العام الحالي، إن روسيا تجري بانتظام تدريبات بحرية بعشر غواصات أو أكثر، مع توسيع النطاق الجغرافي لتدريباتها لتشمل المياه الدولية خارج المياه الإقليمية. وبحسب وكالة أنباء "إنترفاكس" الروسية، ذكر مويسييف في شهر مارس الماضي، أنه "عند زيارة حامياتنا، من المستحيل عدم ملاحظة فراغ العديد من أحواض سفننا"، لافتاً إلى أن "هذا الأمر يعني أن أطقم العمل لدينا يقومون بمهامهم، ويتقنون مهاراتهم في البحر".

تكمن أهمية مويسييف، في أنه مولود في كالينينغراد، الجيب الروسي المحاط جغرافياً بدول حليفة للغرب، واتهمته أوكرانيا مع 6 من زملائه في فبراير/شباط عام 2019، في التسبب بحادثة مضيق كيرتش في البحر الأسود في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، غير أن بوتين عيّنه في مايو/أيار 2019، قائداً للأسطول الشمالي. ومويسييف، حائز على وسام "بطل روسيا" في عام 2011، وهو أعلى وسام في البلاد "تقديراً لبطولاته ولنجاحه في اختبارات الأسلحة الجديدة".

 

يحاول الروس استعادة الهيبة السوفييتية البحرية

 

ونقل الكاتبان عن قادة البحرية من الولايات المتحدة وحلفائها، أن روسيا تنشر الآن المزيد من الغواصات لفترات أطول في المحيط الأطلسي، يمكن من خلالها تهديد سفن الحلف والبنية التحتية الحيوية للولايات المتحدة، وصولاً للقيام بدوريات في المياه الدولية المقابلة للساحل الشرقي الأميركي، الذي يضمّ عملياً عصب البلاد، من العاصمة واشنطن إلى العاصمة المالية نيويورك وصولاً إلى فلوريدا، الوجهة السياحية الدافئة لسكان الشمال الأميركي البارد. ولا يخفي المسؤولون العسكريون الروس تزايد نشاطهم البحري، بل أكدوا رفعهم حجم مناوراتهم لتعزيز قدراتهم على مواجهة ما أسموه "التحركات العدوانية المتزايدة من الأطلسي".
عملياً، يمكن اعتبار المناورات الروسية الضخمة في العام الماضي، رداً على أكبر مناورة في تاريخ حلف شمال الأطلسي، وتمّ إجراؤها بين 25 أكتوبر/تشرين الأول 2018 و23 نوفمبر/تشرين الثاني منه في شرق النرويج وبحر الشمال وبحر البلطيق. شارك في المناورة 51 ألف عنصر من 29 دولة أطلسية في حينه (انضمت الدولة الـ30 مقدونيا الشمالية في مارس/آذار الماضي). ومن بين هذه الدول، ثلاثي البلطيق: إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وهي دول سوفييتية سابقة، تهدد، وفق النظرية الروسية، جيب كالينينغراد المطلّ على البلطيق. أما النرويج، فإن سواحلها، تشكّل مساراً طبيعياً لأي "هجوم غربي على روسيا".

وكان النرويجيون واضحين في هذا الإطار، مع إعلان وزير الدفاع فرانك باكي ـ ينسن، أن "التدريبات الروسية لم يسبق لها مثيل منذ الحرب الباردة"، داعياً إلى "ضمان حرية الملاحة وفتح خطوط الاتصال البحرية عبر المحيط الأطلسي، في حال كان هناك حاجة إلى تأمين تعزيزات عسكرية".

أما قائد القوات البحرية الأميركية في أوروبا الأدميرال الأميركي جيمس فوجو، الذي قاد مناورات الأطلسي في النرويج عام 2018، فذكر في ندوة عبر الإنترنت نظمها "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية"، وهو مركز أبحاث بريطاني، في 25 يونيو/حزيران الماضي، أنه "ما زلنا نمتلك الميزة في البحر، لكنهم جيدون جداً في حركاتهم". وفي ردٍ على الروس، بدأ الأطلسي مناورات بحرية ضد هجوم بالغواصات في 29 يونيو الماضي، في أيسلندا، بمشاركة ألفي عنصر من بريطانيا وكندا وألمانيا والنرويج وفرنسا والولايات المتحدة تستمرّ 14 يوماً.