روسيا والاستثمار في الوهم والفراغ

11 أكتوبر 2019
الصورة
أطلق وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في مقابلة معه نشرتها صحيفة الشرق الأوسط، أخيرا، عناوين توضح رؤية بلاده لنفسها ولدورها في العالم. تحدّث عن رسم الرئيس الروسي بوتين وملك السعودية سلمان بن عبد العزيز ملامح العلاقات بين بلديهما، وأشار إلى مكانة السعودية ودورها في جامعة الدول العربية. وجاء حديثه في معرض ترويج مسألة إعادة تأهيل النظام السوري من خلال عودته إلى الجامعة، معتبراً أنّ للمملكة كلمتها المسموعة في المنطقة وخارجها. وأوضح لافروف موقف بلاده من الوجود الإيراني في سورية، من خلال تكرار النغمة المعهودة بأنّه شرعي، لأنه تمّ بطلب من الحكومة السورية. أوضح الموقف من القصف الإسرائيلي للقوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها بعبارات دبلوماسية لا تزيد الأمر إلا غموضاً. لكن الأهم في حديث لافروف ما يتعلق بملامح النظام العالمي الجديد الذي ترى موسكو أنه يتشكّل الآن، بعد أن انتهت سياسة القطب الواحد بقيادة "الغرب التاريخي" حسب تعريفه. اللافت أنّ العنوان العريض الذي أدرج تحته الوزير الروسي سياسة بلاده في جميع القضايا التي طرحها كان التمسّك بالقانون الدولي والشرعية التي يُضفيها على النظام الدولي الحالي، ممثلاً بالأمم المتحدة والهيئات والمنظمات المتفرّعة عنها.
ليست روسيا الاتحاديّة قليلة الشأن، خصوصا لناحية القوّة العسكرية التي تُعتبر الحامل الأكبر
للنفوذ والسياسة الروسية على الصعيد الدولي. إنّ انتقال تركة الاتحاد السوفييتي المنهار إلى روسيا الاتحادية، واستلامها مقعده في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وحلولها مكانه في المنظومة القانونية الدولية أكبر دليل على ذلك. ولكنّ روسيا في الواقع ليست بالنّد الحقيقي للدول العظمى، مثل أميركا والصين واليابان وألمانيا وإنكلترا، خصوصا على الصعيد الاقتصادي. صحيح أنها دولة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن وعضو في مجموعة العشرين ومجلس أوروبا ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ ومنظمة شانغهاي للتعاون ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وهي أكبر دولة، وتزيد مساحتها عن 17 مليون كيلو متر مربع، تشكل ثمن مساحة الأرض المأهولة بالسكان. وعلى الرغم من أنها تمتلك أكبر احتياطي في العالم من الموارد المعدنية والطاقة، إلا أنها تأتي في المركز التاسع عالمياً من حيث حجم الاقتصاد، وهي تعتمد بالدرجة الأولى على مبيعاتها من البترول والغاز، وعلى تصدير المواد الخام، وتقتصر صناعتها المتفوّقة على مجالات الفضاء والهندسة النووية وصناعة السلاح، ولا يتجاوز ناتجها المحلي 1،850 ترليون دولار سنوياً، بينما تسبقها البرازيل مثلاً بناتج مقداره 2،056 ترليون دولار. ويعاني الاقتصاد الروسي من الركود، فلم يتخطَّ نموّ الناتج المحلي نسبة 0.4% سنوياً في السنوات الخمس الماضية، وتوضح الإحصائيات تراجع الدخل الحقيقي المتاح بنسبة 10.7%، وأنّ نسبة 13% من المواطنين الروس باتت تعيش تحت خطّ الفقر.
يستثمر النظام الروسي حالة التحوّل في النظام العالمي الراهن، ويحاول الحصول، بواسطة السياسة، على دور أكبر له بين عمالقة الاقتصاد، ويصدّر نفسه حليفا موثوقا يقف مع أصدقائه حتّى النهاية، ويعطي لأمثاله من الأنظمة الديكتاتورية البديل عن الأميركي الذي لا يتوانى عن الغدر والتخلّي الفظ والسريع عن أقرب المقرّبين إليه. المثال الصارخ على هذا خمسة عشر فيتو روسيا في مجلس الأمن، دفاعاً عن سفّاح العصر الذي دمّر سورية.
تقوم السياسة الخارجيّة للنظام الروسي على الاستثمار في الوهم، في الفوضى والإرهاب، ويستخدم النظام الحاكم شعارات برّاقة، مثل القانون الدولي ومبدأ سيادة الدول وعدم جواز التدخّل في شؤون الآخرين. ويرتكب أفظع الانتهاكات للقانون الدولي، ويمارس أفعالاً تشكّل جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، كما حصل في الشيشان والقرم وشرق أوكرانيا، وكما يحصل حالياً في سورية.
يتوجه الروس إلى السعودية، الخصم المباشر لإيران في المنطقة، ليعقدوا معها الصفقات السياسية من باب الحماية العسكرية والأمنية، لكنّهم يدعمون الإيرانيين في سورية، ويدافعون عنهم،
ويعتبرون وجودهم فيها شرعياً لأنه تمّ بطلب من الجهة التي يعتبرونها شرعية وتمثّل الشعب السوري. وبينما وقف الروس لفظيّاً وشكلياً مع السعوديين في حربهم في اليمن، إلا أنهم دعموا الحوثيين، ومن خلفهم الإيرانيين، فعليا على أرض الواقع.
يحاول الروس بناء علاقات وطيدة مع أنظمة محسوبة تاريخياً على أميركا، مثل النظام السعودي، ويسعون إلى الوصول إلى المياه الدافئة، مستثمرين في تقلّص ثقة هذه الأنظمة بالحليف التقليدي. وبعد أن فشلت سياستهم في جرّ ترامب إلى شنّ حربٍ على الإيرانيين، على الرغم من كلّ ما قدّموه له شخصياً ولإدارته وبلاده من استثمارات مالية خيالية، يحاول السعوديّون إيجاد مروحةٍ واسعةٍ من التحالفات وبناء صداقات جديدة مختلفة عمّا اعتادوا عليه.
بعد تكرر الاعتداءات المنسوبة لإيران، وحلفائها في المنطقة، وكان جديدها الاعتداء على شركة النفط السعودية أرامكو، وبعد الموقف الأميركي المتحفّظ، والذي يراه حكّام السعودية مخيباً للآمال، بات التقرّب من الغريم التقليدي أمراً ذا أهمية بالغة جداًّ للطرفين. ولكن هل يستطيع الروس، بهذه البساطة، وضع موطئ قدمٍ لهم في صحراء الربع الخالي، أو ليست حارّة جدّاً عليهم، وهل ستتركهم أميركا يقتربون من منجم الذهب خاصّتها، أم أنّ حكّام السعوديّة يغازلون روسيا ويرتمون في حضن أميركا، ألا يدركون أنّ بضاعة روسيا مجرّد وهم؟ سنعرف هذا قريباً.