روسيا تنافس لندن في "أسلمة" المصارف والنظام المالي

02 يناير 2017
الصورة
سبير بنك أكبر مصرف روسي (وكالة الأناضول)

يبدو أن روسيا قررت إعطاء دفعة قوية جديدة لأنشطة الصيرفة الإسلامية في العام الجديد، والهدف ليس بالطبع هو الإيمان بهذه النوعية من الأنشطة المصرفية، أو الاقتناع بضرورة تطبيقها، خاصة مع الضربات العنيفة التي تلقتها الصناعة المالية التقليدية منذ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008، ولكن هناك أكثر من هدف تسعى السلطات الروسية إلى حصده من وراء الحماس الشديد لهذه الخطوة وتقديم خدمات مصرفية ناصبتها العداء لسنوات طويلة.

أول وأبرز هذه الأهداف على الإطلاق هو جذب استثمارات ومليارات العرب، خاصة الخليجيين، والمسلمين، والباحثة عن أدوات مال تتطابق مع الشريعة الإسلامية، أو أن هذه الأموال تبحث عن سوق آمن، إذ تتعرض لمخاطر شديدة في أسواق أخرى، كما هو الحال مع نحو 700 مليار دولار إجمالي الاستثمارات السعودية في أميركا، والتي باتت مهددة بسبب إقرار الكونغرس قانون "جاستا" المثير للجدل، خاصة أن القانون يفتح الباب أمام خطر مصادرة هذه الاستثمارات الضخمة لصالح ضحايا 11 سبتمبر وبالقانون.

وثاني الأهداف التي تسعي روسيا لحصدها من التنوع في أنشطة المصارف الإسلامية هو تنويع الاقتصاد الوطني وتعويضه ولو جزئياً عن الاستثمارات الأجنبية الهاربة منه بسبب تراجع سعر العملة المحلية "الروبل" وزيادة معدل التضخم، والحد كذلك من تأثيرات العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ عام 2014، وتقليص الخسائر الناجمة عن تهاوي أسعار النفط منذ منتصف 2014 عن طريق جذب أموال طازجة.

أما ثالث الأهداف فهو أن البنوك الروسية تحاول استقطاب أموال نحو 28 مليون روسي أو 20% من مجموع سكان روسيا البالغ 143 مليون نسمة، وهذه النسبة تمثل عدد المسلمين داخل البلاد.

ويكمن الهدف الرابع في رهان موسكو على أموال السوق الإسلامية الضخمة الموجودة بالدول المجاورة لها، وتحديداً في أذربيجان وكازاخستان وطاجاكستان وقيرغيزستان، حيث يعيش أكثر من 80 مليون مسلم يبحث الملايين منهم عن أدوات مالية تتوافق مع الشريعة الإسلامية، وربما تمتد هذه السوق إلى دول إسلامية أخرى، منها تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان وبنغلاديش والبوسنة والهرسك وغيرها.

هذه عن الأهداف، فماذا عن أرض الواقع، وما الدلائل على اهتمام روسيا المتزايد بأنشطة الصيرفة الإسلامية؟

هناك أدلة كثيرة، لكن أكبر دليل هنا على اهتمام روسيا المتزايد بالصناعة المالية الإسلامية ما أعلنه مصرف سبير بنك، وهو أكبر مصرف في روسيا، اليوم الإثنين، من أنه يعمل على تطوير وتنمية أنشطة التمويل الإسلامي ضمن شبكات فروعه، والتوسع في تقديم هذه الخدمة لعملائه ضمن النظام المصرفي الروسي ككل، وأن هدفه من ذلك هو الوصول إلى أسواق الخليج وشمال أفريقيا.

الخطوة بالطبع ملفتة للنظر، خاصة أن سبير بنك، يدير أكثر من 36% من مجموع أصول بنوك روسيا، كما يلفت النظر أيضا إلى أن هذا المصرف الضخم لن يقصِر خدمة التمويل والصيرفة الإسلامية على العملاء الموجودين داخل روسيا، وإنما يعتزم تقديمها داخل جمهورية تتارستان.

الأمر لا يقتصر على خطوة سبير بنك، فقد سبقتها خطوات أخرى منها مثلاً، افتتاح تتارستان أول مركز إسلامي للخدمات المصرفية، يعمل وفق مبادئ الصيرفة في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وذلك في مارس/آذار الماضي.

كما أعلن مصرف "فنيش إكونوم بنك" إبرام اتفاقية مع البنك الإسلامي للتنمية لتقديم خدمات مصرفية إسلامية في البلاد. 

وهناك بنوك إسلامية تعمل في المنطقة العربية تخطط لدخول السوق الروسية، منها البركة والشمال، واللذان يتفاوضان للانضمام إلى رأسمال منظمات ائتمان روسية.

الاهتمام بأنشطة المصارف الإسلامية داخل روسيا، ليس وليد اليوم كما يظن البعض، بل بدأها بوتين قبل أكثر من عام حينما أعلن، نهاية عام 2015، عن تأسيس لجنة لاعتماد النظام المصرفي الإسلامي في البلاد، والاستفادة من النظام الاقتصادي الإسلامي في تطوير الاقتصاد الروسي.

وكما قلت في مقال سابق فإن السلطات التشريعية والدينية بروسيا تدفع نحو توسع البنوك المحلية في تقديم أنشطة المصارف الإسلامية، فقد صرح الشيخ راوي عين الدين، مفتي روسيا، أن بوتين يريد الاستفادة من الإسلام لتطوير اقتصاد البلاد.

وتقدم نواب في مجلس الدوما بمشروع قانون يسمح بأنشطة البنوك الإسلامية في روسيا بناء على توصيات من رابطة البنوك الروسية، كما أكدت الكنيسة الأرثوذوكسية بموسكو أنها تعمل مع البرلمان وخبراء قانون واقتصاد ومصارف لتطوير نظام تمويل يتجنب سعر الفائدة المحرم في الديانة المسيحية.

وقال متحدث باسم "فنيش إيكونوم" البنك الروسي التابع للدولة إن البنك يسعى للحصول على المساعدة والخبرة من شركات بالشرق الأوسط لتطوير خبراته في قطاع التمويل الإسلامي.

روسيا تحاول أن تكون مركزاً رئيسياً لأنشطة المصارف الإسلامية في العالم، وبذلك تدخل في منافسة قوية مع تركيا والبحرين وماليزيا والسودان والإمارات، وأخيراً بريطانيا التي أكدت رئيسة حكومتها، تيريزا ماي، أن المملكة المتحدة تعمل حالياً على جعل لندن عاصمة للاستثمار الإسلامي وذلك خلال زيارتها الأخيرة لمنطقة الخليج.