روسيا اليوم: بوتين حامٍ للإسلام!

روسيا اليوم: بوتين حامٍ للإسلام!

30 نوفمبر 2015
الصورة
(Getty)
+ الخط -
يُعدّ موقع "روسيا اليوم" نافذة ممتازة على المشهد في منطقة الشرق الأوسط بالعيون الروسية. فتتبع تغطية الموقع لتطورات الأوضاع في سورية خاصة، يكشف الكثير عن الطريقة التي تريد روسيا أن تظهر وجودها في المنطقة، خاصة بعد التدخل الروسي العسكري لجانب نظام الأسد في سورية.

وتأتي حادثة إسقاط مقاتلات تركيا، لطائرة روسية اخترقت أجواء أنقرة، كحدث مركزي، يعكس الاستقطاب الحاصل إزاء التدخل الروسي من ناحية، وإزاء التجاذبات الروسية – التركية في المنطقة من ناحية أخرى.

لذا قام "روسيا اليوم" بجعل تغطيته لتداعيات إسقاط الطائرة الروسية، تتراوح بين محاولة الإيهام باعتذار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن الحادثة، وبين اتهام تركيا بأنها حليف لـ"الإرهابيين" الذين تقاتلهم روسيا في سورية. أو في تشبيه أكثر رومانسية وربما تراجيديا، اعتبار الحادث "طعنة في الظهر".

وتحت عنوان "أردوغان يأسف على حادث القاذفة الروسية ويأمل في عدم تكراره"، حاول الموقع صياغة تصريحات أردوغان الأخيرة حيال الطائرة الروسية بشكل مبهم، وكأنها تحاول الإيهام بأن أردوغان اعتذر عن إسقاط الطائرة، خاصة بعد ردود فعل بوتين. ينقل الموقع: "وقال الرئيس التركي في كلمة القاها: لقد أحزننا هذا الحادث كثيرا... نحن لم نكن نريد ذلك، ولكن الأمر قد وقع وآمل في ألا يتكرر". هنا لم يبين النقل ما هو الحادث المؤلم، والذي يتمنى أردوغان بألا يتكرر. وبالنظر إلى عنوان المادة، واجتزاءها، يظهر وكأن الموقع أراد صياغة الموضوع بهذه الطريقة، ليوحي للقارئ بأن أردوغان اعتذر عن إسقاط الطائرة، بينما هو في الحقيقة – كما نقلت وكالات الأنباء – كان آسفا على اختراق الطائرة الروسية للأجواء التركية، واضطرار المقاتلات التركية إسقاطها، لا على حادث إسقاط الطائرة ذاته، بل هاجم أردوغان بشدة سياسيات روسيا في سورية، ولم يشر الموقع لهذا في مواده.

في ذات المادة، يكتب محرر روسيا اليوم: "وفي أبرز التصريحات للرئيس التركي، أكد أنه حاول الاتصال غير مرة بالرئيس الروسي دون أن يلقى آذانا صاغية". ليظهر بأن هناك تلهفاً تركياً لإصلاح الأمور مع موسكو، وسط "تمنع" الكرملين.

في مادة بعنوان "الشرق عصي على الفهم.. من أين ستتلقى روسيا الطعنة التالية في الظهر؟"، يظهر الموضوع – والمنقول عن صحيفة روسية – خيبة أمل موسكو بكل حلفائها، وأنهم من الممكن أن "يطعنونها في الظهر" كما فعلت أنقرة. واعتبار إسقاط المقاتلة الروسية طعنة في الظهر، تعبير بوتين بادئ الأمر، حيث قال: "استهداف طائرتنا الحربية طعنة في الظهر نفذها متواطئون مع الإرهاب" في تعبير قد يليق بعلاقة عاطفية، لا علاقات بين دول، وقوى دولية فاعلة، في حالة حرب غير مباشرة. يقول الكاتب: "اعتبر في هذا الصدد، أن أي طرف من الجهات المنخرطة في النزاع السوري قد يطعن روسيا في ظهرها باستثناء الرئيس السوري بشار الأسد". ولا يوضح الكاتب سر التأكيد على ولاء الأسد، إلا أنه من الممكن الاتفاق معه، باعتبار أن الأسد ميت سياسيًا، وشريان موسكو هو الشيء الوحيد، الذي قد يبعث الدفء في جسده البارد.

لم يتوقف الروس عن اتهام الأتراك بدعم الإرهاب، على الرغم من وجود بعض المغازلات، أو الرغبة بعدم الذهاب في الصراع الروسي – التركي بعيدا. تنقل روسيا اليوم، تصريح مسؤول روسي بأن العقوبات الاقتصادية على تركيا يجب أن تعيدها إلى وعيها، بمعنى، على حد قول المسؤول: "تصحو تركيا الآن وتفهم عدم جواز مغازلة الإرهاب"، وهذا أيضا تعبير "بوتيني"، فقد صرح بوتين، في وقت سابق، بأن: "تقاعس بعض الدول وتعاونها مع الإرهاب أدى إلى ظهور داعش" في سياق حديثه عن إسقاط المقاتلة الروسية.

تتكرر اتهامات تركيا بدعم الإرهاب في مواد "روسيا اليوم" الإخبارية والمقالية. تبدأ إحدى المواد بالجملة التراجيدية التالية: "بعد أن فضح بوتين أمر أردوغان وسواه من ممولي الإرهاب وداعميه، اشتاط "السلطان" غضبا ووصل به التهور إلى إسقاط قاذفة روسية في الأجواء السورية غير آبه بالتداعيات".

وكثيرا ما تبدأ مواد "روسيا اليوم" بعبارات دعائية "بروبوغاندا" من هذا النوع، تحاول أن تكثف توجيه القارئ إلى خلاصات يريد المحرر من القارئ فهم المادة في سياقاتها.
لكن أكثر الأمور إثارة، في تغطية روسيا اليوم، المقال الذي حمل عنوان: "نعم! بوتين - حامي المسيحية، والإسلام أيضا" في ما يبدو وكأنه تعليق على الإسلاميين الذي يتهمون روسيا بأنها تقود "حربا صليبية" في سورية. الطريف في هذا المقال، ليس فقط محاولة إبراز النزعة البوتينية المضادة للغرب، والمدافعة عن الأديان، من خلال التأكيد على اختلافات قيمية حادة، بين روسيا بقيادة بوتين، وأوروبا الغربية، والولايات المتحدة، بل اعتبار نزعة بوتين ضد المثليين كدليل على أنه حام للإسلام والمسيحية!

يستشهد المقال بخطوات بوتين ضد المثليين، والإجهاض، وما اعتبره المقال "مواجهته للانحلال الأخلاقي"، وبافتتاحه مسجدا في موسكو، وبإطراء الرئيس الشيشاني "المعين من قبل موسكو" رمضان قديروف على بوتين، ليصبح بهذا حام للقيم الإسلامية والمسيحية، في مقابل "الوثنية الغربية" بهذا النص، إذ يبدأ المقال بعبارة: "يشدد الرئيس فلاديمير بوتين، منذ اعتلائه سدة الرئاسة عام 2000، على تمسكه بالتقاليد، وعلى أن روسيا، بلد القيم الأصيلة، تواجه الوثنية الغربية الجديدة".

الطريف، أن هذا الحديث، باعتبار بوتين حام للإسلام "والمسيحية" يتناقض مع تصريح بوتين نفسه، والذي انتقد أردوغان مرارا باعتبار الأخير يسعى إلى "أسلمة تركيا".


اقرأ أيضاً: تضامن عربي مع تركيا: هذه أبرز المواقف

المساهمون