روحاني في أوروبا... فرنسا تربح إيران ولا تخسر السعودية

باريس
عبدالإله الصالحي
26 يناير 2016
+ الخط -
بعد أكثر من أسبوع على رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران، ودخول الاتفاق النووي حيّز التنفيذ، يقوم الرئيس الايراني حسن روحاني بزيارة أوروبية، بدأها أمس الإثنين، في إيطاليا والفاتيكان، على أن تُستكمل اليوم الثلاثاء، في فرنسا. ويرافق روحاني في هذه الزيارة وفد كبير من 120 شخصاً، من بينهم عدد من ممثلي القطاعات الاقتصادية الإيرانية الرئيسية. ذلك لأن الزيارة تندرج في سياقة عودة إيران إلى معترك التجارة الخارجية، بعد غياب طويل بسبب العقوبات الدولية.

ومن المتوقع أن تنصبّ المحادثات بين روحاني والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، حول تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين وعودة الشركات الفرنسية الكبرى إلى السوق الإيرانية. واستبقت طهران هذه الجولة الأوروبية بإعلان وزير النقل عباس أخوندي، يوم الأحد الماضي، أن "روحاني سيوقّع خلال زيارته باريس عقداً لشراء 114 طائرة إيرباص، لتعزيز الأسطول الجوي الإيراني"، الذي عانى بشكل خاص خلال فترة العقوبات بسبب الحظر الدولي على بيع الطائرات لإيران.

وستُدشّن هذه الصفقة بداية تطبيع اقتصادي بين باريس وطهران، وفاتحة للتفاوض حول عدد من المشاكل الاقتصادية العالقة بين البلدين، يعود بعضها إلى بداية الثورة الإيرانية (1979). ومن بين هذه المشاكل، قضية الشراكة الفرنسية ـ الايرانية لإنتاج سيارة بيجو وبيعها في السوق الإيرانية.

وكانت إيران وفرنسا قد أقامتا شراكة لإنتاج حوالي 300 ألف سيارة وتسويقها في إيران، وفق بروتوكول يقضي باستيراد الأجزاء من شركة بيجو وتجميعها في مصانع ايرانية. غير أن العقوبات الدولية أثّرت سلباً على هذا الاتفاق، بعد فرض حظر التحويلات المالية من وإلى إيران.

وتحايلت إيران لاحقاً على المنع والتجأت إلى الهند والصين لاستيراد أجزاء سيارات بيجو، واستمرت في إنتاج نسخة ايرانية من هذه السيارة لبيعها في السوق المحلية، وأيضاً في السوق الآسيوية، ما شكّل خسارة كبيرة للشركة الفرنسية الأم.

اقرأ أيضاًالصين وإيران... شراكة استراتيجية بين قطبي طريق الحرير

ومن المتوقع أن يتم خلال هذه الزيارة تذويب هذه الخلافات وتوقيع عدد من الصفقات المهمة بين إيران وفرنسا، في مجال تصنيع السيارات مع شركتي بيجو ورينو، وأيضاً مع شركة ألستوم، المتخصصة في تصنيع القطارات والتراموي. كما أن الفرنسيين والإيرانيين سيبحثون في خطة لعودة عدد كبير من الشركات الفرنسية المختلفة إلى السوق الايرانية في العديد من المجالات. وكان وفد من رجال الأعمال الفرنسيين والشركات الكبرى، قد زار طهران في سبتمبر/أيلول الماضي، لجسّ النبض وعقد سلسلة من اللقاءات مع الإيرانيين، تمهيداً لعملية تطبيع اقتصادي وتجاري، بعد التوقيع على الاتفاق النووي مع الدول الغربية الكبرى.

أما الشق السياسي لزيارة روحاني إلى باريس، فهو أكثر تعقيداً نظراً للخلافات الصارخة بين فرنسا وإيران في عدد من الملفات الساخنة، من بينها سورية واليمن والعلاقة مع دول الخليج. وسيبذل هولاند قصارى جهوده لإرساء حد أدنى من التفاهمات مع روحاني، في لقاءٍ ثنائي حاسم في قصر الإليزيه، من دون إثارة حفيظة السعودية والدول الخليجية الحليفة.

وكان هولاند قد دعا أخيراً إلى وقف التصعيد بين إيران والسعودية، إثر الأزمة التي نتجت عن إعدام المعارض السعودي الشيخ نمر النمر، والهجوم على البعثات الدبلوماسية السعودية في إيران، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران. وسيكون على هولاند التسلّح بأقصى درجات اللباقة الدبلوماسية، كي يؤسس انفتاحاً سياسياً مع إيران، من دون خسارة شراكته الاستراتيجية مع السعودية، التي ترى في إيران تهديداً خطيراً لمصالحها الاستراتيجية، تحديداً بعد رفع العقوبات الدولية عنها.

وتتطلّع فرنسا إلى دور ايراني قوي في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سورية والعراق، وتأدية دور إيجابي بفضل علاقتها القوية مع روسيا في المفاوضات بين المعارضة السورية والنظام السوري، التي تشهد حالياً تعثّراً كبيراً، بسبب الإملاءات الروسية، وأيضاً في قضية المرحلة الانتقالية وانسحاب بشار الأسد من اللعبة السياسية في نهاية هذه المرحلة.

وكان لافتاً أن الرئاسة الفرنسية حرصت عشية زيارة روحاني، على إبلاغ الأوساط الإعلامية في باريس بأن "فرنسا ليست ساذجة في علاقتها مع إيران، وأنها ستعمل على إرساء مرحلة جديدة في التعامل معها، بالنظر إلى دور إيجابي ومعتدل تؤديه إيران في مشاكل الشرق الأوسط". وركّزت الرئاسة الفرنسية على تأكيد أن "فرنسا تعرف جيداً إيران ومقتنعة بأن تحوّلات جوهرية في المواقف الإيرانية على المستوى الاقليمي تحتاج إلى بعض الوقت".

وكان روحاني قد أجّل زيارته إلى فرنسا التي كانت مقررة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وتم إلغاؤها بعد اعتداءات باريس في الجمعة السوداء في 13 نوفمبر، التي ذهب ضحيتها 130 شخصاً، وقلبت كل الأجندة الفرنسية الداخلية والخارجية. ومن المنتظر أن يتأقلم البرتوكول الرئاسي الفرنسي مع زيارة الرئيس الإيراني، تحديداً الشقّ المتعلق بمأدبة العشاء، التي عادة ما يكون فيها النبيذ الفرنسي حاضراً بوصفه المنتوج الأكثر رمزية وتمثيلاً للروح الفرنسية. وسيحاول الإليزيه تفادي أي حادث دبلوماسي من شأنه أن يعكر صفو هذه الزيارة واستبدال النبيذ بالمياه المعدنية الفرنسية.

اقرأ أيضاً: روحاني يبدأ جولة أوروبية بعد إلغاء الحظر

ذات صلة

الصورة
دورية لضبط تدابير الإقفال في أحد أسواق باريس (لودفيك مارين/ فرانس برس)

مجتمع

رغم تنبيهات الخبراء من موجة كورونا الثانية، لم تتخذ التدابير المبكرة للحدّ من أثرها في فرنسا، التي أعلنت عن عزل صحي، لم يكبح تسارع الإصابات
الصورة
سياسة/وزيرا داخلية تونس وفرنسا/(العربي الجديد)

سياسة

بحث وزير الداخلية التونسي توفيق شرف الدين، ونظيره الفرنسي جيرارد دارمان، الجمعة، مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، إذ عبّر المسؤول الفرنسي عن "امتنان" باريس للتعاون التونسي عقب عملية نيس والمعلومات التي وفّرتها.
الصورة

اقتصاد

هنا تختلط المفاهيم الحديثة بالتقليدية. تقاليد السكان وعاداتهم تجدها في كل مكان من مجموعة الجزر الفرنسية الخلابة غوادلوب Guadeloupe.
الصورة

سياسة

وجدت الصحافة الإسكندنافية، اليوم الجمعة، في هجوم مدينة نيس الفرنسية أمس فرصة للتأكيد على تضامنها مع فرنسا، فيما تباينت العناوين والتغطية بين صحافة الدنمارك، التي عاشت بلادها أزمة شبيهة في 2005-2006. 

المساهمون